انتقل إلى المحتوى
مقالات8 دقيقة قراءة

شهاب أراسلان: كيف ينتزع النظام الرقمي إرادتنا؟

في التحليل النفسي وفي علم النفس وفي المدارس وفي جزء كبير من الروايات النيوليبرالية، يُقدَّم أن يكون المرء مستقلا ذاتيا وغير محتاج إلى أحد وأن يقف على قدميه كمثال أعلى مهم. ولا شك أن لهذه الأمور موضعا مهما في حياة الإنسان. المشكلة ليست في أن الاستقلال قيمة، بل في أن هذا المثال جُعل بلا حدود تقريبا وتحوّل إلى مقياس لنجاح الفرد. لأننا في الوقت نفسه نعيش في عالم آخر تماما.

شارك
شهاب أراسلان: كيف ينتزع النظام الرقمي إرادتنا؟

Rastinewsافهموني من فضلكم…

ربما ليست المشكلة أن أحدا لا يفهمني، بل أنني لا أصل إلى من يمكن أن يفهمني. لا أحد يسمع ما أحتاجه ويقرر بحسب ذلك الوضع الملموس. النظام يفرض شكل تواصله وحده. يجبرني على السير في الطريق الذي يرسمه، وعلى الإجابة عن أسئلته بواحدة من الأجوبة التي يقدمها. يتجاهل إرادتي، بل يمضي في إزالتها تدريجيا. وليست إرادتي وحدها. فالنظام الذي ينتزع إرادة الموظف في المطار ينتزع في اللحظة نفسها إرادتي. الموظف لا يستطيع التصرف وفق تقديره، وأنا لا أستطيع أن أشرح له حاجتي ونضع معا حلا. وفي النهاية لم نبق شخصين يقف أحدهما أمام الآخر. نصير كائنين ضُيّقت إرادتهما ومنطقهما وفكرهما وشعورهما. ينظر إليّ الموظف ويفهمني، وأنا أفهم أنه لا يستطيع في الحقيقة أن يقرر. غير أن هذا الفهم المتبادل لا يؤدي إلى شيء. لأن بيننا ليست مشكلة تواصل فقط، بل نظام أزال إمكانية القرار.

النظام لا ينظّم العلاقات فحسب؛ بل يحلّ محل العلاقة.

يصف إرفينغ غوفمان، الذي ذكرته في كتابات سابقة، كيف يدخل الناس في أدوار مختلفة في مواقع اجتماعية معينة. يتصرف الإنسان في دور النادل على نحو، وأمام الطبيب كمريض على نحو آخر، وكمدرّس أو كمسافر في دور آخر. وكل دور من هذه الأدوار يحمل توقعات معينة وأشكال سلوك ومجالا للحركة. أما اليوم فكأن الأدوار نفسها انتُزعت منا. لأن أداء أي دور يحتاج، ولو قليلا، إلى مجال للتأويل والحركة. فالإنسان لا يؤدي دوره في كل حالة على النحو ذاته تماما، بل يضبط سلوكه بحسب من يقف أمامه وبحسب الوضع الذي هو فيه.

واليوم تتلاشى تدريجيا إمكانية تقدير خصوصية الوضع. فلا الموظف يستطيع أن يتصرف كموظف حقا، ولا أنا أستطيع أن أوجد كمسافر أو كمريض قادر على شرح مشكلته. لم يبق الموظف من يقرر بحسب الوضع أمامه؛ بل صار وسيطا ينفّذ إجراءات حدّدها النظام مسبقا. وأنا لست شخصا يشرح حاجته، بل مستخدما مضطرا إلى تأشير الخانة الصحيحة. يتحول الإنسان من شخص إلى «مستخدم»، والعلاقة إلى «إجراء»، والحديث إلى «إدخال بيانات». وفقدان مجال الحركة والتأويل والقرار الذي يسميه هارتموت روزا Spielraum (مجال الحركة) يصبح مرئيا هنا بالضبط. لا نستطيع أن نفكر ونحكم ونقرر بالنظر إلى الوضع الملموس الذي نحن فيه. وبدل أن نسأل «ما الذي ينبغي فعله في هذه الحالة؟» نسأل «بماذا يسمح النظام؟». وتحل الخيارات التي يسمح بها النظام محل التقدير الأخلاقي والإنساني والمهني. وبعد حين يفقد أيضا أهميته سؤال ما إذا كان عمل الموظف صحيحا. المهم فقط أن الإجراء نُفّذ وفق القاعدة. أما تضرر المسافر، وعدم وصول المريض إلى الطبيب، وعدم تلبية حاجة إنسان، فكلها تصبح ثانوية. تُنجَز المهمة ولا تُحلّ المشكلة.

الجميع يؤدون عملهم، ومع ذلك لا أحد يتحمل المسؤولية.

الحرية الرقمية…

في التحليل النفسي وفي علم النفس وفي المدارس وفي جزء كبير من الروايات النيوليبرالية، يُقدَّم أن يكون المرء مستقلا ذاتيا وغير محتاج إلى أحد وأن يقف على قدميه كمثال أعلى مهم. ولا شك أن لهذه الأمور موضعا مهما في حياة الإنسان. المشكلة ليست في أن الاستقلال قيمة، بل في أن هذا المثال جُعل بلا حدود تقريبا وتحوّل إلى مقياس لنجاح الفرد. لأننا في الوقت نفسه نعيش في عالم آخر تماما.

حين تفرغ بطارية الهاتف في يدي، لا أستطيع أحيانا أن أصعد إلى طائرتي، ولا أن أدفع في التسوق، ولا أن أصل إلى حسابي البنكي، ولا أن أرى مواعيدي، بل أجد صعوبة حتى في معرفة الوقت. ولو انتُزع منا الحاسوب المحمول والهاتف يومين، لصار الاستمرار في الحياة اليومية عسيرا على نحو جدي فجأة. فمعلوماتنا وجهات اتصالنا وتذاكرنا وعملياتنا البنكية ومواعيد الأطباء والعناوين والتقاويم وكلمات المرور، وأحيانا معلومات عن أدويتنا، كلها موجودة داخل هذه الأجهزة والأنظمة المرتبطة بها. أي أنه يُقال للإنسان من جهة «كن مستقلا» بلا انقطاع، ومن جهة أخرى تضعه بنية الحياة التحتية في علاقات تبعية أكثف باستمرار.

لنتصور أن الإنترنت انقطع في مدينة يوما كاملا. يتعطل النقل وأنظمة الدفع والتواصل وخدمات الصحة وحياة العمل والحجوزات والطلبات والخرائط واحدا بعد آخر. تكاد المدينة الحديثة تُصاب بالشلل. وهذا ليس خللا تقنيا فحسب. قد يشعر الإنسان أنه فقد فجأة سبيله إلى حياته. لأن جزءا يتسع باستمرار من هذه الحياة قد أُوكل إلى أنظمة أُنشئت خارجه. وهنا بالضبط يظهر تناقض غريب. فالنظام يجعل الناس في أقصى درجة من التبعية بعضهم لبعض وللمؤسسات والشبكات والمنصات والأجهزة والبنى التحتية، وينتظر من الفرد في الوقت نفسه أقصى استقلال نفسي. يُنتظر منه أن يكفي نفسه، وأن يكون قويا وواثقا، وألا يطلب مساعدة، وأن يدير هشاشته، وأن يحل مشكلاته. وبذلك يُحوَّل تناقض اجتماعي وبنيوي إلى مشكلة نفسية.

وعندما يضيق الإنسان، لا يكون السؤال في الأغلب «لماذا يجعل هذا النظام الإنسان بهذا القدر من التبعية والهشاشة؟». بل يُسأل: «لماذا لست صلبا بما يكفي؟»، «لماذا لا تتعامل مع الأمر على نحو أفضل؟»، «لماذا لست أكثر استقلالا؟». وتُعاد صياغة التبعية التي ينتجها النظام كأنها نقص في شخصية الفرد. ولعل أحد أطرف جوانب الرواية النيوليبرالية يظهر هنا: فهي تزيد التبعية في العالم المادي، وتحوّل الاستقلال في العالم النفسي إلى واجب أخلاقي. الإنسان في الحقيقة مرتبط بأنظمة أكثر من أي وقت مضى، لكنه يُدفَع إلى أن يفكر في نفسه كذات ينبغي أن تصمد وحدها تماما. وبهذا يكف العجز الذي يُعاش عند تعطل النظام عن أن يكون مشكلة النظام، ويبدأ في الظهور كعدم كفاءة الشخص. ولهذا السبب بالضبط تصبح التبعية نفسها غير مرئية. لأنه يُقال لنا دائما إننا مستقلون.

والدول القومية وشعارات الوطن والأمة تُبنى أيضا على الاستقلال. ويبدو أن الأمم والأفراد، كلما زادت تبعياتهم، لجأوا إلى الخطاب المعاكس ليتعاملوا مع هذا الوضع…

من الرأسمالية الرقابية إلى الرقابة الرقمية

قرأت قبل سنوات كتاب ميشيل فوكو Überwachen und Strafen. Die Geburt des Gefängnisses (1977، المراقبة والمعاقبة. ميلاد السجن). يقول فوكو في هذا الكتاب إن السلطة في المجتمعات الحديثة لا تعمل بالمنع والعقاب فقط، بل تعمل أيضا بالمراقبة والتأديب، وأخيرا بأن تجعل الإنسان يراقب نفسه. ومن أبرز أمثلة ذلك نموذج البانوبتيكون. في وسط سجن دائري يقوم برج مراقبة. يمكن رؤية السجناء من البرج، لكنهم لا يعرفون إن كان من يراقبهم موجودا فعلا في البرج في تلك اللحظة، ولا إن كان ينظر إليهم. وهذا هو جوهر المسألة: لا حاجة إلى مراقبة الإنسان بلا انقطاع. يكفي أن يبقى الإحساس بأنه قد يكون مراقبا حيا على الدوام. وبذلك تُنقل الرقابة من الخارج إلى الداخل. وبعد حين لا تبقى حاجة إلى أن يقف حارس فوق رأس الإنسان؛ فالحارس يستقر في ذهنه. ويبدأ الشخص بالتصرف كأنه مراقب حتى في اللحظات التي لا يُراقب فيها. تُستدخل الرقابة ويصبح الإنسان مراقب نفسه.

وبعد نحو أربعين عاما من شكل الرقابة الذي وصفه فوكو، تصف شوشانا زوبوف في كتابها Das Zeitalter des Überwachungskapitalismus (2018، عصر رأسمالية المراقبة) كيف تغيرت الرقابة في ظروف الرأسمالية الرقمية. لم يبق سجن واحد وبرج واحد ومراقب مرئي ينظر إلينا منه. انتشرت الرقابة في مجمل الحياة اليومية. الرقابة على الإنترنت…

فما نبحث عنه في غوغل، والصفحات التي ننظر إليها، وما نشتريه، والأماكن التي نكون فيها، والروابط التي نضغط عليها، والآثار التي لا تُحصى والتي نتركها في البيئة الرقمية، كلها تتحول إلى مادة خام اقتصادية. وتصبح خبرة الإنسان مصدرا لإنتاج البيانات لدى الشركات الرقمية. ولا تُستخدم هذه البيانات لفهم ما نفعله فحسب، بل أيضا لتوقع ما سنفعله، ثم على نحو متزايد لتوجيه سلوكنا في اتجاهات معينة.

وهنا فرق مهم بين عالم فوكو وعالم زوبوف. في البانوبتيكون يغيّر الإنسان سلوكه لأنه يعرف أنه مراقب أو يظن أنه قد يكون مراقبا. أما في الرقابة الرقمية فإننا نتصرف في الأغلب دون أن نعرف حتى مقدار ما نُراقب به. بل نشتري بإرادتنا الأدوات التي تجعل مراقبتنا ممكنة، ونحملها في جيوبنا ونستخدمها معظم اليوم. لقد حلّت الهواتف والحواسيب والتطبيقات والمنصات والخوارزميات محل برج المراقبة القديم.

ولعل عبارات «تابعني» في وسائل التواصل الاجتماعي من أبرز تعبيرات هذا التحول. كان الإنسان في وقت مضى، إذا ظن أنه يُتابع باستمرار، قد يذهب إلى الشرطة من الخوف، أو يراجع طبيبا نفسيا إذا صارت الفكرة وهما. أما اليوم فقد صار «أن تُتابَع» شيئا مرغوبا، بل شيئا يبعث السرور. ويُعتبر ارتفاع عدد المتابعين مؤشرا على الظهور والاهتمام، وأحيانا على القيمة الاجتماعية.

والتحول هنا ليس تقنيا فقط. فعلاقتنا الوجدانية بأن نكون مراقبين تغيرت أيضا. حالة أن يُتابع المرء، التي كانت تبعث الخوف يوما، تُربط اليوم بأن يكون محبوبا ومعروفا. الإنسان لا يقبل بأن يُراقب فحسب؛ بل يدعو الآخرين إلى مشاهدته ومتابعته والنظر في حياته. وفي نظام صارت فيه المراقبة مقبولة والمشاهدة مبهجة، تُظهر عبارة «تابعني» إلى أي حد استُدخلت الرقابة.

ولعل التحول الأساسي على الخط الممتد من فوكو إلى زوبوف يتضح هنا: إنسان البانوبتيكون كان يراقب نفسه لأنه يظن أنه قد يُراقب؛ أما إنسان الرأسمالية الرقمية فلا يقبل بالمراقبة فقط، بل يعرض نفسه طوعا على مجال الرقابة كي يكون ظاهرا ومتابَعا.

حرية أن يُراقب المرء، وحب أن يُراقب… تقدّم الرأسمالية الرقمية نفسها في الأغلب بلغة الحرية: تواصل بلا حدود، ووصول بلا حدود، ومشاركة بلا حدود، واختيار بلا حدود… غير أن مفارقة غريبة تظهر هنا. فبينما تبدو حرية المستخدم في ازدياد، تتوسع أيضا إلى حد غير عادي فرص الشركات في التوغل في حياة الناس.

ومن المشكلات أيضا أن سرعة التطور التكنولوجي وسرعة حركة الدول والقانون مختلفتان جدا. فإصدار الدول للقوانين، وفهم المؤسسات للتكنولوجيات الجديدة، وتشكّل النقاش المجتمعي، ورسم الحدود القانونية، كلها تحتاج وقتا. أما الشركات الرقمية فتستطيع الحركة أسرع بكثير. وأحد أسباب هذه السرعة أن بنية هذه الشركات هرمية إلى أقصى حد، وأن آليات القرار الديمقراطية تكاد تكون معدومة فيها. فلكي تتخذ دولة قرارا، ينبغي أن تمر عمليات طويلة عبر البرلمانات واللجان والخبراء والمحاكم والرأي العام وجماعات المصالح المختلفة. أما صاحب شركة يملك قوة اقتصادية وتكنولوجية بالغة الضخامة، مثل إيلون ماسك، فليس مضطرا إلى عرض قراراته على الرأي العام ولا إلى مناقشتها في البرلمان ولا إلى تمريرها عبر عملية موافقة ديمقراطية. يستطيع أن يقرر وفق ما يصله من معلومات ووفق تقديره، وأن ينفّذ هذه القرارات في وقت قصير جدا. وهو يملك القوة المالية والتكنولوجية اللازمة لذلك أيضا.

وهنا تظهر علاقة تبعية أخرى. فالدول ومؤسساتها هي في الوقت نفسه عملاء ومستخدمون للتكنولوجيات الرقمية التي تحاول مراقبتها وتنظيمها. فمن بنى التواصل التحتية إلى الأنظمة الرقمية، ومن البرمجيات إلى أدوات معالجة البيانات، صارت في مجالات كثيرة تابعة للتكنولوجيات التي تقدمها هذه الشركات. وبذلك صارت الدولة من جهة السلطة التي ينبغي أن تضع حدودا لهذه الشركات، ومن جهة أخرى هبطت إلى موقع مستخدم يحتاج تكنولوجيتها. ومراقبة قوة أنت تابع لها أصعب في الحقيقة كثيرا من مراقبة قوة تقع خارجك تماما. ولهذا قد يكون تطبيق جديد أو خوارزمية أو طريقة لجمع البيانات قد دخل حياة ملايين الناس قبل أن يبدأ المجتمع بمناقشة نتائجه، والقانون بتعريفه، والدولة برسم حدوده. وجزء من قوة الرأسمالية الرقمية يظهر هنا: تغيّر الواقع أولا، ثم يحاول القانون والسياسة اللحاق بهذا الواقع الجديد.

ولهذا ينطوي فهم الحرية عند شركات الرأسمالية الرقمية على مطلب حرية آخر: أن تُقيَّد بأقل ما يمكن. وهنا تتقارب الحرية وانعدام القواعد وتتشابكان. فالشركة تعرّف سعة مجال حركتها بالحرية، بينما قد يعني الوضع نفسه من زاوية المجتمع انعدام الرقابة. وبهذا المعنى فإن من أهم مشكلات الرأسمالية الرقمية أن شركات التكنولوجيا تكدّس قوة كبيرة جدا، اقتصاديا واجتماعيا. والدول التي تحاول تنظيمها تأتي في الأغلب من الخلف. فعمليات القرار تطول؛ أما شركات التكنولوجيا فتقرر أسرع بكثير، وتدخل مجالات جديدة، وتحدد القواعد بنفسها فعليا.

في بانوبتيكون فوكو كان البرج مرئيا، لكن لم يكن معروفا إن كان المراقب ينظر أم لا. أما في الرأسمالية الرقمية فقد انقلب الوضع تقريبا: البرج صار غير مرئي، لكن الرقابة تكاد تكون متصلة. ولعل هذا هو الجديد الحقيقي في عصرنا. كان سؤال السلطة قديما «كيف أستطيع مراقبتك؟». أما سؤال الرأسمالية الرقمية فيتحول تدريجيا إلى هذا: كيف أجعلك تعيش مراقبتي لك على أنها حرية؟

الآراء الواردة في هذا النص تخص كاتبها؛ وقد تتفق مع سياسة Rastinews التحريرية وقد لا تتفق. Rastinews منصة حرة منفتحة على الآراء المختلفة.

شارك

التعليقات

اكتب تعليقا

اقرأ أيضًا