صعوبات تناظرية ورقمية
يحاول الكاتب حجز موعد طبيب عبر الهاتف، فتخبره الرسالة المسجلة أن الحجز لا يتم إلا عبر الإنترنت، لتبدأ رحلة مع نظام لا يترك مكانًا لحاجته الفعلية.

Rastinewsأحاول حجز موعد لدى طبيب. أتصل بالعيادة عبر الهاتف. يخبرني الرد الآلي أن الحجز لا يتم إلا عبر الإنترنت، ويزوّدني بالرابط المطلوب. أدخل إلى الموقع الإلكتروني فتنهال عليّ الأسئلة: "هل تريد هذا؟"، "أم ذاك؟" لكن حاجتي لا تنطبق تمامًا على أي من الخيارات المطروحة؛ تبقى معلّقة في مكان بينهما، بينما لا يوجد في النظام مكان لهذا "البين". لا يمكنني المتابعة من دون تحديد أحد الخيارات الجاهزة سلفًا، وبما أنه لا خيار يناسب حاجتي، فإنني لا أحصل على الموعد. أتصل بالعيادة مجددًا، فيعيد الرد الآلي التسجيل نفسه ويحيلني إلى الموقع ذاته. الموقع يرسلني إلى الهاتف، والهاتف يعيدني إلى الموقع، وأظل أدور في الحلقة المغلقة نفسها، أصطدم بجدار. وحين أصل أخيرًا إلى موظفة استقبال، تقول إنها تفهمني، بل تجد كلامي منطقيًا، وتقرّ بأنني بحاجة إلى الطبيب. أنا محق، وحاجتي حقيقية، وطلبي مفهوم؛ ومع ذلك لا أحصل على الموعد. ذلك أن حتى القائمين على منح المواعيد لا يملكون صلاحية منحها. فتجاوز العقبات الموضوعة بيني وبين الطبيب يصبح أصعب من الوصول إلى الطبيب نفسه.
أن تكون محقًا في المجتمع الحديث لا يعني أن تنال حقك
قد يجد المرء طلبه منطقيًا، وحاجته مقبولة، بل قد يُعترف بأنه محق في مشكلته؛ لكن كل ذلك لا يضمن حل المشكلة. لهذا يتحول كثير مما نواجهه في الحياة اليومية إلى تجربة ظلم متكررة. فقد يقع الإنسان ضحية وهو يحاول إنجاز أمر عادي تمامًا؛ حجز موعد، أو تغيير مقعد، أو تصحيح فاتورة، أو توضيح معاملة أُنجزت خطأً، كل ذلك قد يتحول إلى معركة تستغرق ساعات. يتحول المجتمع الحديث إلى جماعة من الناس المحقين جميعًا، لكنهم مع ذلك يبقون ضحايا. لأن من أمامنا غالبًا ما يقرّ بأننا محقون: موظف المطار يقرّ بذلك، والسكرتيرة تقرّ بذلك، وموظف خدمة العملاء يقرّ بذلك. لكن لا أحد يحل المشكلة. وهكذا يخرج الطرفان المتواجهان من ثنائية المحق والمخطئ؛ فكلاهما يقف عاجزًا أمام النظام.
ما أريد قوله هو التالي: نعيش في عالم يُزعم أن كل شيء فيه بات أسهل، لكنه في الوقت نفسه يترك الإنسان معتمدًا وعاجزًا بشكل جذري. يَعِدُنا النظام بالسهولة، يقول: "لم تعد بحاجة إلى الاتصال، يمكنك إنجاز معاملتك بضغطات قليلة." لكن حين لا تتطابق مشكلتك مع الخيارات التي يطرحها النظام، يصبح التقدّم خطوة واحدة أمرًا شبه مستحيل. فالسهولة لا تنفع إلا إذا كان طلبك معياريًا؛ وبمجرد أن تبتعد قليلًا عن المعيار، يتوقف النظام عن العمل، ولا يعود هناك من يمكن أن تشرح له همّك. تبقى المشكلة بلا حل، ويظل الشخص يدور في الحلقة المغلقة نفسها.
الذين سُلبت منهم حكايتهم
وهنا تظهر صعوبة أخرى: لكي أفهم ما يريده مني النظام، يجب أن أكون على معرفة مسبقة بآلية عمله. تُطرح عليّ أسئلة لا أفهم أحيانًا حتى معناها؛ فمعرفة أي خيار يجب تحديده تتطلب خبرة، وفهم سبب طرح ذلك السؤال أصلًا يتطلب خبرة أخرى. والنظام في الغالب لا يقدّم هذه المعرفة، وكأن الجميع يعرف مسبقًا المفاهيم والتصنيفات والمنطق الكامن خلف الإجراءات. بذلك يخلق النظام الذي أُقيم بهدف التيسير مفارقة غريبة: يُنتظر منك أن تنجز معاملتك بنفسك، لكن لا أحد يسأل إن كانت لديك الخبرة اللازمة لذلك. في الماضي كنت تشرح همّك لموظف يعرف هذه المعلومة، فيترجم لغتك اليومية إلى لغة المؤسسة. أما اليوم فقد أُزيل هذا المترجم من المعادلة، ويُنتظر من المواطن أو الزبون أو المسافر أن يكون في آن واحد موظفه وسكرتيره ومستشاره. وهكذا يمكن أن تتحول السهولة التي وعد بها النظام إلى عجز جديد.
كذلك تظهر في النماذج المُعبّأة عبر الإنترنت أسئلة لا علاقة مباشرة لها بالموعد أو المعاملة المطلوبة. وهكذا لا تتحول السهولة المعروضة إلى سرعة وعملية فحسب، بل إلى نظام تصنيف ومراقبة وجمع بيانات أيضًا. وإن لم تسلك الطريق الذي يريدونه، أو لم تقدّم الإجابات التي حددوها، تُقصى من النظام. تبدو الخيارات وكأنها تكاثرت، لكنك في الحقيقة لا تُمنح إلا حرية التنقل بين إجابات جاهزة سلفًا: الخيار الأول، الثاني، الثالث... من دون أي إمكانية لتقديم إجابتك الخاصة. وهكذا تنسحب الحكايات تدريجيًا من حياتنا، رغم أن التجربة الإنسانية نادرًا ما تتكون من خيارات جاهزة؛ فلها مسار وزمن وسياق.
مثلًا، يريد المرء أن يروي لطبيبه: "بينما كنت أسير في الطريق، بدأ فجأة ألم في ظهري. بدأ تحديدًا من هذه النقطة، ثم امتد نحو رقبتي، وبعد قليل استقر في كتفي وبقي هناك." فحتى الألم له حكاية؛ يتنقل في الجسد، يغيّر اتجاهه، يختفي أحيانًا ثم يعاود الظهور في مكان آخر. لكن النظام غالبًا لا يطلب منك هذه الحكاية، بل يسأل: "أين موضع الألم؟" ظهر، رقبة، كتف... عليك أن تختار واحدًا. "ما شدته؟" يُنتظر منك رقم بين واحد وعشرة. "منذ متى وهو موجود؟" تُدخل تاريخًا في خانة. وهكذا تتفتت تجربة معاشة وتتحول إلى مجموعة بيانات؛ فيكف المرض عن أن يكون حكاية ليصبح بيانات.
المشكلة ليست في البيانات نفسها بالطبع، فنحن بحاجة إليها. المشكلة أن تحل البيانات محل الحكاية كليًا؛ لأن التصنيف هو في الوقت نفسه تحديد وتقييد. فالنظام يقرر ما يمكنك أن ترويه قبل أن تروي شيئًا أصلًا، ويقرر بدلًا منك أي جزء من تجربتك ذو معنى وأيها زائد. ولعل حرية السرد من بين ما نخسره هنا. فالإنسان ليس مجرد كائن يختار من بين خيارات، بل هو راوٍ يربط بين ما يحدث له، ويبني علاقات السبب والنتيجة، ويهتم بالتفاصيل، ويمنح تجربته شكلًا خاصًا. وحين تُلغى الحكاية، فأنت لا تكتفي بحذف تفاصيل زائدة، بل تضيّق أيضًا حق الشخص في بناء معنى حياته الخاصة.
والغريب أن النظام كلما قدّم لنا خيارات أكثر، أوهمنا بأن حريتنا تزداد. في حين أن كثرة الخيارات تُخفي أحيانًا تراجع حرية الإجابة. قد تكون أمامنا مئة خانة، لكن إن كان ما نريد قوله لا يتسع لأي منها، فنحن في الحقيقة بلا خيار.
لا مكان يتسع لك
حين لا تتسع حاجتك لهذه الخيارات، لا يعترف بك النظام؛ لأنك في نظره موجود بقدر ما يمكن تصنيفك فحسب. وإن لم تنطبق على أي من الفئات الجاهزة سلفًا، تصبح حاجتك نفسها غير مرئية.
وفي هذه العملية، يتحول جزء من المعلومات التي نقدمها إلى قيمة اقتصادية. فالبيانات التي تُؤخذ منا لا تُستخدم فقط لإنجاز المعاملة، بل تُخزَّن وتُصنَّف ويُربط بعضها ببعض. وهكذا يمكن حتى لمعاملة بسيطة كحجز موعد طبي أن تتحول إلى عملية تدفع الشخص إلى تقديم مزيد من المعلومات باستمرار.
فالشخص الذي يسعى للحصول على خدمة يتحول في الوقت نفسه إلى مصدر بيانات. والنظام بينما يخدمنا، يجعلنا في الوقت ذاته قابلين للاستخدام لصالحه.
عنوان الغضب
أتنقل بين الرد الآلي للعيادة ونظام الحجز عبر الإنترنت. وبعد فترة، أضع الهاتف بغضب، ثم أُغلق حاسوبي بعنف؛ لأنه لا يوجد أمامي إنسان يمكنني التحدث إليه وشرح همّي له. غضبي لا ينبع فقط من عدم الحصول على الموعد، بل من عدم إيجاد مخاطَب أشرح له نفسي. لكن غضبي أيضًا لم يعد له عنوان واضح؛ فهو يتبدد داخل النظام، يصبح مبهمًا، يختفي. أحاول أن أغضب من أحد، فيُقال لي: "لقد أخطأتم هنا." أغضب من السكرتيرة، فتقول: "أنا لست المسؤولة، أحاول مساعدتكم." وهي محقة. أعتذر لمن غضبت منه قبل قليل، بل أشكرها على محاولتها مساعدتي. أغضب من الطبيب، لكن حين أفكر في ظروف عمله يبدو أنه محق أكثر مني. أغضب من النظام الصحي. ثم يذكر أحدهم أناسًا في مكان آخر من العالم، في قرية هندية مثلًا، يموتون من دون أن يروا طبيبًا طوال حياتهم. عندها أبدأ أعدّ غضبي نفسه عيبًا.
أخيرًا، أغضب من "النظام"
لكن ما نسميه "النظام" أمر غريب أيضًا: بنية بلا وجه، تتصور في ذهن كل شخص بشكل مختلف، ولا يعرف أحد أين تبدأ بالضبط وأين تنتهي. وحين أقول "النظام"، أُخرج ما أعيشه من عالم العلاقات الشخصية وأُبعده عن الإنسان؛ فلا يبقى أمامي أحد يمكنني مواجهته أو الاعتراض عليه أو محاسبته. وهنا بالضبط يعود الغضب كالبومرنغ. أفكر: ربما أنا المخطئ. ربما أسأت فهم السؤال، أو حدّدت الخانة الخطأ، أو بحثت عن الموعد في التصنيف غير الصحيح، أو لم أتصرف بالطريقة التي يريدها النظام. وبعد فترة أبدأ أقتنع بأن الأسئلة صحيحة، والتصنيفات صحيحة، والإجراء صحيح؛ وأن المخطئ هو أنا.
هذا هو الغريب في الأمر: ينطلق الإنسان في البداية بغضب محق تمامًا، لكنه في نهاية الطريق يشعر بأنه المذنب، العاجز، المخطئ. فكل طرف على حدة محق؛ السكرتيرة محقة، والطبيب محق، والموظف محق، والمؤسسة محقة. بل يمكن إيجاد مئات المبررات المحقة لتفسير سبب عمل النظام على هذا النحو. لكن وسط كل هذا الحق، تبقى مشكلتي أنا من دون حل. وهكذا يتلاشى تدريجيًا العالم الخارجي الذي كان يمكن أن يتوجه إليه الغضب؛ فلا يعود الغضب قادرًا على الوصول إلى مطلب أو رغبة في التغيير أو مخاطَب، وبما أنه لا يستطيع الخروج، يعود إلى الداخل: "لماذا لم أستطع؟" "ماذا فعلت خطأ؟" "لماذا يستطيع الجميع ولا أستطيع أنا؟"
ولعل هذه من أغرب تجارب عصرنا: أن نشعر باستمرار بأننا مخطئون رغم كل هذا الحق الذي معنا. ففي اللحظة التي نفقد فيها عنوان غضبنا، يتحول نقد النظام بسهولة إلى نقد للذات، ويتحول العجز إلى شعور بالقصور الشخصي. وفي النهاية، بينما تبقى المشكلة قائمة في مكانها، يبقى الغضب لنا وحدنا: أن تكون محقًا وضحية في آن واحد... أن تعجز عن التقدم... أن تبقى عالقًا في مكان ما... وفوق ذلك، ألا يجد غضب الإنسان الناتج عن مظلوميته عنوانًا حقيقيًا. وحين لا يجد الغضب مكانًا يفرغ فيه خارجيًا، يتراكم في داخل الإنسان، ثم يتحول بعد فترة إلى عبء يثقل جسده وروحه ويصبح بلاءً عليه. لكن الغضب لا يبقى دائمًا في الداخل؛ فأحيانًا يخلق الإنسان ضحايا آخرين لينجو من مظلوميته الخاصة. فالغضب الذي يعجز عن الوصول إلى مصدره الحقيقي يتجه نحو أشخاص أقرب إليه وأسهل منالًا، وغالبًا أضعف منه.
فمن يشعر بالهزيمة في البيت أو العمل أو مجالات أخرى من الحياة قد يعود إلى منزله ليصرخ في وجه طفله. ومن يتعرض للإهانة والتهميش والضغط المستمر أمام النظام قد يهدد بقتل شخص لا يعرفه في خلاف على موقف سيارة. ومن لا يُمنح حق الكلام طوال النهار قد يحرم في المساء شخصًا أضعف منه من هذا الحق.
وهكذا تتحول مشكلة بنيوية إلى صراع أفقي؛ فالغضب الذي يعجز عن التوجه إلى الأعلى يتدفق جانبيًا ونحو الأسفل، ويبدأ الناس يعيشون فيما بينهم الصراع الذي عجزوا عن خوضه مع النظام. فكلما ازداد اختفاء المخاطَب الحقيقي، بحث الغضب عن أهداف مرئية يسهل بلوغها. ولعل هذا ما يفسر سهولة احتدام الحياة اليومية إلى هذا الحد؛ فبعض التوترات المتراكمة في الزحام المروري، أو طابور السوق، أو موقف السيارات، أو داخل الأسرة، أو في مكان العمل، لا يمكن تفسيرها بحوادث صغيرة عابرة وحدها. فالإنسان أحيانًا لا يتفاعل مع من أمامه بسبب فعله فقط، بل بثقل كل ما يحمله من عجز متراكم منذ زمن طويل. ويتحول الشخص المقابل، من دون أن يدري، إلى حامل لغضب تراكم في أماكن أخرى. وثمة احتمال آخر هو ألا يجد الغضب طريقًا إلى الخارج على الإطلاق؛ عندها يتخذ شكلًا عدوانيًا موجهًا نحو الذات، فيعود الإنسان إلى نفسه: يلوم ذاته، يحتقرها، يُنهك جسده، يستنزف روحه. ويتحول الاعتراض الذي كان ينبغي أن يتجه إلى الخارج إلى اعتداء داخلي على الذات. وهكذا نجد أنفسنا محصورين بين احتمالين: إما أن ننقل غضبنا إلى من هم أضعف منا، أو نوجهه نحو أنفسنا. وفي الحالتين تبقى المشكلة الأساسية في مكانها.
ولعل هذه إحدى اللحظات التي تبلغ فيها الأنظمة أقصى قوتها: حين يعجز الناس عن رؤية مظلوميتهم البنيوية المشتركة كقضية جماعية، فيحسبونها قصورًا شخصيًا، أو يحوّلونها إلى غضب متبادل فيما بينهم. عندها يبقى النظام خارج دائرة النقاش، بينما يبدأ الناس بتحميل بعضهم بعضًا، وأنفسهم، ثمن العجز الذي صنعه.
الآراء الواردة في هذا النص تخص كاتبها؛ وقد تتفق مع سياسة Rastinews التحريرية وقد لا تتفق. Rastinews منصة حرة منفتحة على الآراء المختلفة.
