انتقل إلى المحتوى
الأجندة5 دقيقة قراءة

رمضان باكور: السلطة والإعلام

شارك
رمضان باكور: السلطة والإعلام

Rastinewsعبر التاريخ، وضعت السلطة، ولا سيما السلطات المستبدة، العقبات دائماً أمام الصحافة والإعلام. فلم ترغب في أن تُستخدم الصحافة والإعلام الناقدان لتعزيز سلطتها وإدامتها. وها هي وكالة رستي تمر الآن بمرحلة من هذا النوع، إذ تتعرض للعرقلة بسبب نشرها أصواتاً وحقائق صادقة وتغطية قائمة على الحقيقة.

منذ زمن طويل وأنا أكتب لهذه المجلة، وتدور معظم مواضيع كتاباتي حول اللغة والثقافة والتجارب التاريخية، ولم أدخل يوماً بكتاباتي في الساحات السياسية. ذلك أن سياسة الأطراف الدولية والشرق الأوسط سياسة ملوثة، إذ لا تزال السياسة الدينية والتقليدية صاحبة التأثير الأكبر في الشرق الأوسط. وهي سياسة لا تقوم على الحق والحقيقة، بل على المصلحة والخداع، سياسة سلب للحقوق وظلم. وفي كل مرة يتغير فيها جدول أعمال المجتمع، تُسكَت الصحافة والإعلام الناقلان للحقيقة ويُمنَعان من مواصلة عملهما، فيُمارَس الخداع وتُسلَب الحقوق.

ومع الأسف، لا تنتصر الحقيقة دائماً؛ فكثيراً ما مُنيت الحقيقة والمنظمات المنصفة بهزائم قاسية. وعبر التاريخ، تعرض كثير من أصحاب الصدق والحقيقة للتعذيب والاعتقال بل والقتل. ويقول المثل المعروف: حتى تثبت الحقيقة يذهب رأس صاحبها. وأكرر: للأسف لم يُعترف بالحقيقة وبصدق أصحابها إلا بعد هزائم قاسية وتعذيب واعتقال بل وقتل. وبإمكاني أن أسوق أمثلة كثيرة على ذلك، لكنني لا أريد الإطالة. ففي العالم كله حقيقة واحدة لا يستطيع أحد إخفاءها، وفي النهاية تسقط الحقيقة كقبضة ثقيلة على وجوه الكاذبين والظالمين.

وبسبب العراقيل التي تتعرض لها وكالة رستي، اخترت هذه المرة أن يكون موضوع مقالتي "السلطة والإعلام". فنحن لسنا ممن يخافون الحقيقة؛ لقد قلنا الحقيقة في كل مجالات الحياة وسنظل نقولها. وقد يقع المرء في المتاعب بسبب قول الحق، لكن الدفاع عن الحقيقة وقولها مصدر فخر واعتزاز، فأصحاب الكرامة يقولون الحقيقة ولا يخشونها. وقد قال الأقدمون: "جدار قصر الكذب مبني على الجليد"، فإذا ذاب الجليد انهار القصر على رؤوس أصحابه. لكن المصلحة، للأسف، تطيل عمر الكذب وتديم بقاء الأنظمة الجائرة. وثمة قول آخر للأقدمين: "من يصغي إلى الكذب يصبح كثعلب الصيف". ونحن الشعب الكردي أصغينا إلى الكذب كثيراً حتى الآن، ولذلك بقينا عراة، بلا قيادة، بلا رأسمال، بلا أرضنا ووطننا، خاضعين.

ولا شك أننا من خلال كتاباتنا نعبّر عن أفكارنا وآرائنا ورؤانا. وربما لا يفهمها كثيرون، وربما لا يقبلها كثيرون أيضاً؛ فلكل إنسان معتقده الخاص، ولكل إنسان معرفته وفهمه المختلفين. لكن من حق كل إنسان أن يعبّر عن أفكاره وآرائه ورؤاه بالقول والكتابة والمشاركة، وعلى الجميع احترام ذلك. والحقيقة واحدة في كل مجالات الحياة، ومن لا يقبل النقد الموجه إليه لا يمكن أن يكون منصفاً أبداً. ونحن نعلم أن هجمات الأعداء والمحتلين ستبقى قائمة، لكن الهجمات الصادرة عمن يسمّون أنفسهم مناضلين من أجل الحرية تثير الشك والريبة.

لقد دفع شعبنا أثماناً باهظة في قضية السلام والحرية والحقوق والعدالة هذه. وبسبب هذه الأثمان الباهظة، لا خيار أمامنا سوى أن نكون صوت شعبنا. وحين ننقل شكاوى شعبنا ونكتب عنها، فلا يحق لأحد أن يهاجمنا، وعلى من يهاجمنا أن يصغي إلى النقد والشكاوى. وإن لم يُصغوا إليها كما يحلو لهم، فلن نتراجع عن موقفنا وسنواصل قول الحقيقة والواقع.

بعد الحرب العالمية الأولى، ونتيجة تقصير قادة تلك المرحلة ومن جاء بعدهم، مرّ الشعب الكردي بمئة عام من الإخضاع والإبادة الجماعية، وسط نضال حزب العمال الكردستاني. ومن اليوم فصاعداً، لا يمكن القبول - مهما كان الثمن - بأن يمرّ القرن المقبل على الشعب الكردي كما مرّ القرن الماضي، بالإخضاع والإبادة الجماعية. وفي عملية الأخذ والعطاء هذه على صعيد الحقوق والعدالة، ليس من حق أي شخص أو تنظيم أن يفرض أفكاره وآراءه على شعبنا. ولا بد أن تكون آمال شعبنا ومطالبه هي الهدف والوجهة لكل مناضل وسياسي منا.

وليس هدفنا أن نعرض نواقص وأخطاء أي شخص أو تنظيم أمام أعين الناس، فنواقص وأخطاء كل شخص وكل تنظيم ظاهرة أصلاً ويعرفها الجميع. والمطلوب أن نضع معتقداتنا وإيديولوجياتنا جانباً، وأن نتوحد حول هدفنا المشترك. وأعتقد أن هدف كل كردي هو حرية الكرد وكردستان وحق الشعب الكردي. وتُظهر الأحداث الأخيرة أن الأطراف الدولية والإقليمية لا تريد للكرد أن يمتلكوا دولتهم وسلطتهم على أرضهم. والتنظيمات التي تعتبر نفسها مسؤولة باسم الكرد، تكشف الأحداث الأخيرة أنها هي الأخرى وقعت في شباك محتلي كردستان. فقد سُلّم روج آفا للإسلاميين والقوميين العرب، وفي باكور يُراد للشعب الكردي أن يفقد الأمل في كردستان مستقلة، وهم يريدون فعل الشيء نفسه في روژهلات أيضاً.

أما الذين يظهرون وكأنهم يقفون في وجه الإمبرياليات الدولية والمحتلين الإقليميين، فقد وقعوا هم أنفسهم في شباك أنظمة تلك الإمبرياليات الدولية والمحتلين الإقليميين. والاندماج في القرن المقبل يعني ترك الشعب الكردي بلا دولة وبلا وضع قانوني، واستمرار الانصهار، واستمرار تدمير التركيبة السكانية، وإفناء الشعب الكردي. وأي شخص أو تنظيم عقد اتفاقاً مع الإمبرياليات الدولية والمحتلين الإقليميين، فليعلم أن هذا اتفاقه هو، وليس اتفاق الشعب الكردي مع تلك الإمبرياليات والمحتلين. ولن يتخلى الشعب الكردي أبداً عن حقه في استقلال الكرد وكردستان، فأمنية كل كردي كردستان حرة.

الآراء الواردة في هذا النص تخص كاتبها؛ وقد تتفق مع سياسة Rastinews التحريرية وقد لا تتفق. Rastinews منصة حرة منفتحة على الآراء المختلفة.

شارك

التعليقات

اكتب تعليقا

اقرأ أيضًا