انتقل إلى المحتوى
الأجندة6 دقيقة قراءة

عادلة خانم ترد على تايب تمل: لماذا يعارض السلامَ من شاهد الحربَ من بعيد؟

شارك
عادلة خانم ترد على تايب تمل: لماذا يعارض السلامَ من شاهد الحربَ من بعيد؟

Rastinewsيتساءل تايب تمل: لماذا يعارض السلامَ مَن شاهدوا الحربَ من بعيد؟

وأنا أطرح السؤال المعاكس تماماً

هل ما يُعرض على الكرد اليوم هو السلام حقاً؟

أم يُطلب من الكرد، بعد نصف قرن من الكفاح، أن يتخلّوا عن مواقعهم السياسية والعسكرية واحداً تلو الآخر، من دون الحصول على أي ضمانة جدّية بشأن دمقرطة الدولة؟

طرح هذا السؤال لا يعني الحنين إلى الحرب، وعدم طرحه يعني عدم تعلّم أي شيء من التاريخ.

من يُسلّم ماذا على طاولة المفاوضات؟

أبسط طريقة لمعرفة ما إذا كانت عملية سلام عادلة هي هذه: أيّ الطرفين يقدّم شيئاً ملموساً لا رجعة فيه، وأيّهما يكتفي بالوعود؟

لننظر إلى المشهد الراهن.

ما يقدّمه الكرد ملموس وقابل للقياس: تُلقى الأسلحة، ويحلّ الحزب نفسه، وينزل المقاتلون من الجبل، ويُدمَج الهيكل العسكري لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في دمشق. وكلّها خطوات موثّقة يصعب التراجع عنها.

أما ما تقدّمه الدولة حتى الآن فهو كلامي فحسب: عبارات مثل «مرحلة جديدة» و«الأخوّة» و«العيش المشترك» لم تتحوّل بعدُ إلى نصّ دستوري أو قانون أو ضمانة ملزمة.

هذا ليس تفاوضاً بل نزع سلاح أحادي الجانب. وقد علّمنا التاريخ مراراً أن الطرف الذي يتخلّى عن سلاحه يفقد أيضاً نفوذه على طاولة المفاوضات.

ماذا يجري في تركيا في الوقت نفسه؟

لا نطرح هذا السؤال من فراغ. فالنظر إلى السياسة الداخلية التركية في الأشهر نفسها التي تسير فيها العملية هو أصدق طريقة لاختبار ادّعاء الدولة بأنها تتغيّر.

فرؤساء بلديات حزب المعارضة الرئيسي يُعتقلون. ورئيس بلدية إسطنبول الكبرى أكرم إمام أوغلو لا يزال خلف القضبان. وصدرت أحكام بالسجن المشدّد بحق خمسة رؤساء بلديات من CHP. وممثل كوميدي يُحتجز لأشهر بسبب عبارات قالها في عرض ستاند أب، ثم يصدر قرار بإخلاء سبيله، لكن قبل أن يغادر الباب يُعاد توقيفه بتحقيق جديد بشأن العرض نفسه.

هذه ليست حالات معزولة بل نمط متكرّر. وهو نمط يُظهر أن للمعارضة، بل وللضحك، بل وحتى لكونك منتخَباً، ثمناً في تركيا اليوم. وفي مناخ سياسي كهذا، فإن مطالبة الكرد بأن «يثقوا، هذه المرّة ستكون مختلفة» يبحث عن مصداقيته في ممارسة الدولة ذاتها، ولا يجده.

والسؤال واضح: بينما تعجز تركيا حتى الآن عن فتح مجال معارضة طبيعي أمام CHP، فأيّ حيّز من الحرية السياسية ستمنحه للكرد بشكل *دائم ومضمون*؟

القضية الكردية لم تبدأ مع حزب العمال الكردستاني، ولن تنتهي بانتهائه

كثيراً ما يُصاغ النقاش وكأن القضية الكردية بدأت قبل أربعين عاماً حين حمل بضعة أشخاص السلاح، وستنتهي حين يُلقى هذا السلاح. وهذه أسهل طريقة لتصغير القضية.

غير أن القضية الكردية كانت قائمة قبل حزب العمال الكردستاني: في عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته، في ديرسم وزيلان، في السنوات التي مُنعت فيها اللغة الكردية، ولم يستطع الناس تسمية أبنائهم بأسماء كردية، وأُطلق على الكرد وصف «أتراك الجبل»، وفي سجن ديار بكر (آمد) بعد انقلاب 12 أيلول/سبتمبر عُذّب الناس لإجبارهم على إنكار هويتهم.

لم يخلق حزب العمال الكردستاني القضية الكردية، بل خرج من رحمها. ومن دون هذا التمييز يستحيل فهم اللحظة الراهنة. فالحزب يمكن أن يُحلّ، والسلاح يمكن أن يُلقى، والمقاتلون يمكن أن ينزلوا من الجبل، لكن العقل الدولتي الذي أنتج القضية الكردية لا يتغيّر من تلقاء نفسه. ولا أحد يسأل عمّا إذا كان قد تغيّر أم لا.

التحوّل الأحادي الجانب ليس تحوّلاً

وهنا يكمن التناقض الأكبر في العملية الراهنة. يُنتظر من الكرد تحوّل استثنائي: أن يتوقّف الكفاح المسلّح، وأن يحلّ الحزب نفسه، وأن تنتقل السياسة الكردية إلى خطاب جديد، وأن يندمج روج آفا في دمشق، وأن تتخلّى قسد عن كونها بنية عسكرية مستقلة. وقد تحقّق معظم ذلك بالفعل: أُعلن استكمال دمج مؤسسات قسد العسكرية والأمنية والإدارية في هيكل الدولة في دمشق، وأعلنت قسد حلّ نفسها كقوة عسكرية مستقلة، وعُيِّن مظلوم عبدي مستشاراً للرئيس أحمد الشرع.

فماذا تغيّر في أنقرة؟ هل حصل التعليم بالكردية على ضمانة دستورية؟ هل أُلغي نظام الوصاية (القيّم) كلياً؟ هل اعتُرف بالحقوق الجماعية للكرد؟ هل تحوّل الدستور نحو الديمقراطية؟ هل استقلّ القضاء؟ هل اتّسع هامش حرية التعبير؟

لا. ولا حتى مادة واحدة تحقّقت.

ثمة صفقة غريبة قائمة: طرف يتخلّى عن قوّته الملموسة، وطرف آخر يكتفي بوعود عن المستقبل. وكل تعريف لـ«السلام» يتجاهل هذا الخلل في التوازن هو، في جوهره، تعريف للاستسلام.

يمكن لعبد الله أوجلان أن يتفاوض مع الدولة، لكن لا يمكنه أن يتحدّث باسم الشعب

لا غرابة في حدّ ذاته في أن يتفاوض أوجلان مع الدولة فإذا كان لنزاع أن ينتهي فلا بدّ أن يتحاور طرفاه، وهذه طبيعة السياسة. واعتراضنا ليس على المفاوضات نفسها.

بل اعتراضنا هو أن يُقدَّم كلّ ما يصدر عن هذه المفاوضات وكأنه حقيقة كردية لا تقبل النقاش.

يستطيع أوجلان أن يقرّر مصير حياته، وتستطيع حركة سياسية أن تقرّر مستقبلها التنظيمي، لكن لا أحد يملك حقّ التصرّف المطلق في مستقبل أطفال كرد لم يولدوا بعد. وقول هذا ليس إهانة بل أبسط قاعدة في السياسة: الشعب لا يملكه زعيم، بل الزعيم مسؤول أمام شعبه.

ماذا كسبنا في روج آفا، وماذا قدّمنا؟

ويجب أن نطرح السؤال نفسه على روج آفا، هذه المرّة بالأرقام والأسماء.

حين هاجم تنظيم داعش كوباني، رأى العالم كيف قاتل الكرد. ولم يمت كرد روج آفا وحدهم، بل سقط أيضاً مَن قدموا من تركيا، وشبان كرد وُلدوا في أوروبا، بل وأمميّون ليسوا كرداً على الإطلاق. لم يمت هؤلاء ليتولّى أحد منصباً في دمشق، بل كي لا تسقط كوباني، وكي لا يبقى الكرد مرّة أخرى تحت رحمة الآخرين في مدنهم، وكي تملك النساء حقّ القرار في حياتهنّ.

أمّا الآن فقد حُلّت قسد، وارتبط الهيكل العسكري بدمشق، واندُمجت المؤسسات الإدارية في الدولة المركزية. وربما كانت الظروف تفرض ذلك، وربما لم يكن هناك خيار آخر ونحن لا نستبعد هذا الاحتمال. لكن، إذاً، أخبرونا بالنتيجة بشكل ملموس: ما هو الوضع الدستوري للكرد؟ وماذا تبقّى من الحكم الذاتي؟ وما الضمانة القانونية للتعليم بالكردية؟ وما مستقبل النظام الذي بنته النساء؟ وإذا تراجعت دمشق غداً عن وعودها، فأيّ اتفاق وأيّ آلية دولية ستحمي الكرد؟

هل كلام أحمد الشرع اليوم هو قانون الدولة السورية بعد عشر سنوات؟ وإن لم يكن كذلك، فمقابل أيّ ضمانة سلّم الكرد القوة التي كانت بين أيديهم؟

طرح هذه الأسئلة لا يعني طلب الحرب، بل طلب الحساب. والمحاسبة شرط لا غنى عنه في أي عملية ديمقراطية.

تركيا لا تنسحب من سوريا بل تترسّخ فيها

وثمة مفتاح آخر لفهم هذه العملية: في الوقت الذي يُطلب فيه من الكرد تفكيك بناهم العسكرية في سوريا، لا تنسحب تركيا من سوريا بل توسّع، على العكس تماماً، حضورها العسكري واللوجستي فيها.

وتحوّلت قاعدة أبو ظهور الجوية في إدلب إلى نقطة تُناقَش فيها الخطط العسكرية التركية في المنطقة؛ إذ قصفتها إسرائيل في 18 آب/أغسطس، وأدانت تركيا الهجوم رسمياً. وفي الفترة ذاتها، تتوسّع الأنشطة المشتركة بين الجيش التركي والجيش السوري.

والصورة واضحة: القوة العسكرية المستقلّة للكرد تتلاشى، ودمشق تتقوّى كدولة مركزية، وتركيا تعمّق علاقتها العسكرية مع دمشق، وأنقرة تتحوّل إلى فاعل أكثر رسوخاً في الساحة السورية. وكلّ هذا يُروى لنا تحت عنوان «السلام».

والسؤال الذي ينبغي طرحه بسيط: هل الكرد شريك على طاولة هذا النظام الإقليمي الجديد، أم طرف يُقرَّر مصيره على تلك الطاولة؟

لا يمكن إسكات هذه الأسئلة بالقول لنا إننا «شاهدنا الحرب من بعيد»

وهنا يكمن اعتراضي الأساسي على مقال تايب تمل. لا حاجة لأن يعلّمنا أحد قيمة السلام فالكرد يعرفون قيمته لأنهم يعرفون ثمن الحرب. لكن ذلك الثمن لا يقتصر على المقابر.

دفع الثمن الكرديّ غير المسيّس أيضاً، ودفعه الكردي الذي يذهب إلى عمله صباحاً ويعود إلى بيته مساءً. دفعه الطالب الذي رأى الوجوه تتغيّر حين عُرف أنه كردي في الجامعة، والعامل الذي يتردّد في ذكر مسقط رأسه، والأمّ التي لم تستطع التحدّث مع طفلها بلغتها، وكلّ من اضطُرّ إلى تغيير اسمه، أو إخفاء لكنته، أو حبس هويته داخل جدران بيته سنوات طويلة.

ثمن القضية الكردية ليس سياسياً فحسب، بل اجتماعي، وممتدّ عبر الأجيال، ومحفور في جسد الإنسان وذاكرته. ولهذا فإن حقّ الكلام في الحلّ ليس ملكاً لبضعة سياسيين، بل ملك لنا جميعاً.

لماذا أأتمن مستقبلي على دولة لم تُرني ديمقراطية؟

هل يوجد في تركيا اليوم نظام ديمقراطي حقاً؟ حزب المعارضة الرئيسي يخضع لعمليات قضائية مشدّدة، ورؤساء بلديات منتخَبون خلف القضبان، وممثل كوميدي يُخلى سبيله بسبب كلمة قالها ثم يُعتقل مجدداً في اليوم نفسه.

في بلد كهذا، لماذا أقول أنا، بصفتي كردياً، إن «الدولة تغيّرت أخيراً»؟ استناداً إلى أيّ معطى، وثقةً بأيّ مؤسسة؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يقنعنا، وكيف، بأن القضية الكردية يمكن أن تُحلّ ديمقراطياً ما دامت تركيا نفسها لم تتحوّل بعد إلى الديمقراطية؟

أنا أنظر إلى الممارسة لا إلى النوايا، لأن التاريخ علّمنا أن ننظر إلى الممارسة أكثر من النوايا.

نريد السلام، لكننا لن نترك ذاكرتنا عند الباب

أنا لست ضدّ السلام. لا أريد أن يموت شاب كردي آخر، ولا جندي تركي آخر. ولا أريد أن تحتضن أمّ أخرى نعش ابنها.

لكن إذا كان لهذا أن يُسمّى سلاماً، فيجب أن يُزيل عن الكردي خوفه لا سلاحه وحده. ويجب أن يضمن لغته وهويته وإرادته السياسية. وألا يترك مكتسباته في روج آفا تحت رحمة دول أخرى. والأهمّ من ذلك كله، ألا يُشعر الكرديَّ مرّة أخرى بأن «الدولة يمكن أن تسترجع كلّ شيء متى شاءت».

وإلا فلا داعي للتسرّع في تسمية هذا سلاماً.

فماضي الكرد ثقيل بما يكفي. وليس لأحد الحقّ في رهن مستقبلهم أيضاً لا أنقرة، ولا دمشق، ولا أيّ تنظيم، ولا أيّ زعيم.

أنا أريد أن أترك لطفلي مستقبلاً كريماً. لهذا أتكلّم، ولهذا أسأل، ولهذا أعترض.

ولا يستطيع أحد أن يقول لي: «شاهدتِ الحرب من بعيد، فاصمتي» فلم يكن في هذا الشعب كثيرون شاهدوا الحرب من بعيد حقاً.

فالمسألة الجوهرية الآن ليست انتهاء الحرب، بل كيف سيخرج الكرد من ذلك السلام: كشعبٍ ضُمنت حقوقه، أم بعد أن تخلّى عن كلّ ما بيده من قوة، معتمداً مرّة أخرى على وعد تقطعه الدول؟

الآراء الواردة في هذا النص تخص كاتبها؛ وقد تتفق مع سياسة Rastinews التحريرية وقد لا تتفق. Rastinews منصة حرة منفتحة على الآراء المختلفة.

شارك

التعليقات

اكتب تعليقا

اقرأ أيضًا

    عادلة خانم ترد على تايب تمل: لماذا يعارض السلامَ من شاهد الحربَ من بعيد؟ — Rastinews