انتقل إلى المحتوى
الأجندة4 دقيقة قراءة

فيليز دينيز: لماذا أهلات؟

عند قراءة خبر توطين 371 أسرة من الأتراك الأحيسكيين الذين أُجلوا من منطقة الحرب في أوكرانيا في قضاء أهلات التابع لولاية بتليس، لم يكن الرقم 371 هو ما استوقفني.

شارك
فيليز دينيز: لماذا أهلات؟

Rastinewsلم يكن الرقم 371 هو ما استوقفني عند قراءة خبر توطين هذا العدد من أسر الأتراك الأحيسكيين الذين أُجلوا من منطقة الحرب في أوكرانيا، في قضاء أهلات التابع لولاية بتليس. ولم يكن استقدام الأتراك الأحيسكيين إلى تركيا هو ما شغلني أيضا.

بل كان أهلات.

لماذا أهلات؟

ولا يستدعي طرح هذا السؤال تجاهل المأساة التي عاشها الأتراك الأحيسكيون في المنفى. بل على العكس، فإن كل من يعرف معنى التهجير مطالب بمزيد من الحذر في هذا الشأن. فقد هُجّر هؤلاء من ديارهم عام 1944 بأمر من ستالين، ووُزّعوا على مناطق متفرقة من الاتحاد السوفيتي، ليجد بعضهم أنفسهم بعد سنوات وسط الحرب هذه المرة في أوكرانيا. وإجلاء تركيا لهم وتوفيرها لهم مكانا يقيمون فيه ليس بحد ذاته موضع النقاش هنا.

ما يشغلني هو المكان الذي اختارته الدولة لهم.

فحين تُوطّن الدول مجموعات بشرية بأعداد كبيرة في مكان بعينه، ولا سيما في بلد مثل تركيا يحمل فيه ملف الإسكان إرثا تاريخيا ثقيلا، يصبح السؤال «لماذا هذا المكان؟» سؤالا جوهريا.

وذاكرة الجغرافيا التي تقع فيها أهلات تجعل طرح هذا السؤال أمرا لا مفر منه.

فبتليس وما حولها من أقدم مناطق استقرار الكرد، وأهلات ليست خارج هذه الجغرافيا. ونتحدث هنا عن منطقة شهدت في تسعينيات القرن الماضي واحدة من أقسى تبعات النزاع المسلح، حين أُخليت القرى واقتُلع السكان من بيوتهم وأراضيهم ودُفعوا نحو المدن الكبرى، ولم يمض على تلك السنوات وقت طويل. فبعض هؤلاء السكان لم يتمكنوا حتى الآن من العودة إلى قراهم، وبعض من عاد لم يستطع استعادة حياته السابقة.

وحين تنفّذ الدولة في مكان كهذا عملية توطين جماعي جديدة، يفرض الماضي نفسه على الطاولة من تلقاء ذاته.

علما أن اختيار أهلات ليس جديدا أصلا.

ففي عام 2016 أيضا، جرى توطين أتراك أحيسكيين قادمين من أوكرانيا في أهلات. وفي حينه، وُجّه السؤال نفسه إلى قائممقام أهلات آنذاك: لماذا أهلات؟

والإجابة التي قدمها تستحق أن تُقرأ من جديد اليوم.

إذ أوضح أن أهلات كانت عبر التاريخ مركز استقبال وتجمّع للقبائل التركية القادمة إلى الأناضول، وأضاف أنه لو كانت الطاقة الاستيعابية أكبر، لقرر «عقل الدولة» توطين عدد أكبر من الأسر فيها.

وعبارة «عقل الدولة» هذه بالغة الدلالة.

لأننا اليوم، وبعد عشر سنوات، نعود مجددا إلى أهلات.

ونتحدث هذه المرة عن 371 أسرة، في إطار برنامج إسكان أوسع نطاقا يُتوقع أن يصل بموجبه عدد الأسر المُوطَّنة في أهلات إلى ألف أسرة إجمالا.

إذن، لم يكن اختيار عام 2016 حلا مؤقتا. أو على الأقل بات من الصعب اليوم القول إنه كان كذلك.

والأكثر لفتا للانتباه أن تقارير نُشرت في تلك السنوات ذاتها، تفيد بأن الأتراك الأحيسكيين سيمارسون الزراعة وتربية الماشية في «قرى أخلتها العمليات الأمنية» في المنطقة.

ولا يملك المرء إلا أن يتوقف عند هذه العبارة.

«قرى أخلتها العمليات الأمنية».

فالقرية لا تخلو من تلقاء نفسها. وسكانها لا يختفون جماعيا في صبيحة واحدة. لتلك القرى أصحاب، كانت لهم بيوت وحقول ومقابر وذكريات.

إلى أين ذهبوا؟

ولماذا ذهبوا؟

وهل تمكنوا من العودة؟

وهل حصل من أراد منهم العودة على مسكن وأرض وقرض وماشية ودعم زراعي؟

فحين يُطلق وصف «القرية الخالية» من دون طرح هذه الأسئلة، يُستبعد الإنسان من القصة، ولا يتبقى سوى أرض يمكن إعادة التخطيط لها.

ومن هنا بالتحديد ينطلق اعتراضي الأساسي.

ذلك أن أهلات لم تعد تُنظر إليها اليوم كمجرد قضاء تابع لولاية بتليس، بل تحولت في السنوات الأخيرة، بشكل واضح، إلى رمز سياسي وتاريخي. ووُضعت، إلى جانب ملاذكرد، في صميم سردية السلطة عن السلاجقة والفتح و«فتح أبواب الأناضول أمام الترك». وإنشاء مجمع رئاسي في أهلات هو أحد أبرز تجليات ذلك.

ويحضر إلى هناك كل عام أعلى مستويات الدولة، وتُلقى الخطابات، وتتكرر عبارة «الوطن منذ ألف عام».

وفي قضاء تشهد فيه كل هذه التطورات، أرى أن تفسير التوطين الجماعي، عبر برنامج ممتد لسنوات، للأتراك الأحيسكيين الذين تعتبرهم الدولة من «الأصل التركي»، بمجرد وجود مساكن شاغرة تابعة لمؤسسة الإسكان التركية (TOKİ) هو تفسير ناقص.

صحيح أن مسألة توفر المساكن الجاهزة قائمة، وقد صرّح ممثلو الأحيسكيين أنفسهم، خلال عمليات التوطين الأولى، بأن توفر مجمعات سكنية جاهزة كان عاملا مؤثرا في اختيار أهلات وأرزنجان.

وهذا أمر وارد.

لكن الاحتياجات العملية والخيارات السياسية لا يستبعد أحدهما الآخر بالضرورة في قرارات الدول.

ومن يعرف تاريخ الإسكان في تركيا يدرك ذلك جيدا.

فمنذ العهود الأولى للجمهورية، لم يُنظر إلى مسألة أين وكيف يعيش السكان بوصفها قضية اجتماعية بحتة من منظور الدولة، بل كان الإسكان في الوقت نفسه أداة من أدوات سياسة الهوية والأمن. ويمكن ملاحظة ذلك حتى اليوم في لغة قانون الإسكان لعام 1934 عند العودة إليه. والكرد من أبرز المجتمعات التي عانت من نتائج تلك السياسات.

لذلك لا يمكن تقييم عملية التوطين الجارية اليوم في أهلات بمعزل عن هذا التاريخ.

لكنني لا أريد أيضا إصدار حكم متسرع في هذا الشأن.

فلا توجد بين أيدينا وثيقة تقول صراحة «وطّنوا الأتراك الأحيسكيين هنا لتغيير التركيبة السكانية الكردية في أهلات». وفي غياب وثيقة كهذه، فإن تقديم الأمر كحقيقة مقطوع بها هو شيء آخر تماما.

غير أنه من الواضح أن هناك أسئلة جدية تنتظر إجابة.

لماذا تختار الدولة أهلات منذ نحو عشر سنوات لتوطين الأتراك الأحيسكيين؟

وهل رُوعيت التركيبة السكانية الحالية لأهلات وموازين القوى المحلية عند تحديد هدف الألف أسرة؟

وما التاريخ الملكي للأراضي المستخدمة في مواقع الاستيطان الجديدة؟

وهل تُستخدم مراعي القرى في ذلك؟

وهل استُطلع رأي السكان المحليين؟

والأهم بالنسبة لي: لماذا لم تُسخّر الدولة الإمكانات ذاتها من أجل عودة من أُجبروا في السابق على الهجرة من هذه الجغرافيا، وإن كانت قد فعلت، فما الذي آلت إليه النتائج؟

ومن دون إجابات عن هذه الأسئلة، ليس من الصواب التقليل من شأن المخاوف الديموغرافية.

فالديموغرافيا ليست مجرد أرقام في جداول السكان، بل لها تبعات تمتد من اللغة التي ستُسمع أكثر في الشارع بعد أجيال قليلة، إلى السياسة المحلية، ومن ملكية الأرض إلى الذاكرة الثقافية.

وأعتقد أن أي جملة واحدة تُساق ضد الأتراك الأحيسكيين في هذا السياق ستكون موجهة إلى الجهة الخطأ.

فهم ليسوا مهندسي هذه السياسة.

بل هم أنفسهم شعب تعرّض للتهجير.

وإن وضع أناس اقتُلعوا يوما من ديارهم وحُشروا في عربات القطارات في مواجهة شعب آخر اليوم سيكون ظلما كبيرا، تاريخيا وأخلاقيا على حد سواء. كما لا معنى لسؤال الأسر المُوطَّنة في أهلات: «لماذا جئتم إلى هنا؟».

فالسؤال ينبغي أن يُوجَّه إلى الدولة، لا إليهم.

لماذا أهلات؟

ربما يكون الجواب فعلا هو توفر المساكن الجاهزة.

وربما يكون التخطيط الاقتصادي والزراعي.

وربما لا علاقة إطلاقا لهذا الاختيار بالمعنى التاريخي والسياسي الذي أضفته الدولة على أهلات في السنوات الأخيرة.

كل هذه الاحتمالات واردة.

لكن حين يجتمع تاريخ الإسكان في تركيا، وذاكرة التهجير القسري في تسعينيات القرن الماضي، والرمزية السياسية التي اكتسبتها أهلات في السنوات الأخيرة، وسياسة التوطين المستمرة في المكان نفسه منذ عام 2016 وحتى اليوم، فمن غير الممكن أن يُطلب من صحفي أن يغض الطرف عن كل ذلك.

فبعض الأخبار تكمن قصتها الحقيقية لا في الجواب الوارد فيها، بل في السؤال الذي لم يطرحه أحد.

وفي خبر توطين 371 أسرة في أهلات، يبقى ذلك السؤال بالنسبة لي كما هو:

لماذا أهلات؟

الآراء الواردة في هذا النص تخص كاتبها؛ وقد تتفق مع سياسة Rastinews التحريرية وقد لا تتفق. Rastinews منصة حرة منفتحة على الآراء المختلفة.

شارك

التعليقات

اكتب تعليقا

اقرأ أيضًا

    فيليز دينيز: لماذا أهلات؟ — Rastinews