انتقل إلى المحتوى
الأجندة11 دقيقة قراءة

الموت لأجل الذات

كانت الخدمة العسكرية في الماضي غالبًا مهنةً تؤدى مقابل أجر، وكان الملوك والأباطرة وأصحاب السلطة، حرصًا على صون سيادتهم،

شارك
الموت لأجل الذات

Rastinewsكانت الخدمة العسكرية في الماضي غالبًا مهنةً تُؤدى مقابل أجر. فقد كان الملوك والأباطرة وأصحاب السلطة يُطعمون جنودهم ويجهزونهم ويدفعون لهم رواتب، حرصًا على صون سيادتهم وتوسيع حدودهم واستمرار نفوذهم السياسي. وظلت الخدمة العسكرية، من جحافل روما وحتى كثير من جيوش الإمبراطوريات التي تلتها، خدمةً تُموّلها الدولة أو الحاكم أو صاحب السلطة إلى حد كبير. وحتى في الفترات التي لم يتقاضَ فيها الجنود رواتب منتظمة، لم تكن الحرب بلا مقابل البتة؛ فالغنائم والنهب والأراضي والأسرى وحق جباية الضرائب وما كان يُحصَّل من امتيازات بعد الحرب، كل ذلك كان يمثل فرصة كسب مهمة للمشاركين فيها. ومن ثم لم تكن الحرب ميدانًا تحدده الشجاعة وحدها، بل حددته أيضًا التوقعات الاقتصادية. وكان الجنود في الغالب يقاتلون لا من أجل مُثُل مجردة فحسب، بل طلبًا لمقابل ملموس يحصّلونه، مالًا كان أو دخلًا.

وبالطبع كان هناك من يقاتل طوعًا في سبيل الدين، بمفهوم الجهاد، أو من أجل غايات اعتُبرت مقدسة كما في الحروب الصليبية. غير أن هذا الولاء كان مختلفًا عن الولاء للوطن القومي بمعناه الحديث؛ إذ لم يكن الولاء موجهًا إلى الأمة، بل إلى الدين أو الحاكم أو الأسرة الحاكمة أو نظام آخر يُنظر إليه بوصفه مقدسًا.

ومع انتشار التجنيد الإلزامي في القرن التاسع عشر وظهور الدول القومية، تغير معنى الحرب تغيرًا جذريًا. فصار «الموت في سبيل الوطن» يُعرَّف بوصفه أسمى واجب يقع على الفرد تجاه الدولة والأمة. وما يبدو لنا اليوم أمرًا بديهيًا تمامًا، من قبيل «نموت في سبيل الوطن» و«نجود بأرواحنا من أجل العلم» و«الشهادة أسمى المراتب»، إنما هي سرديات حديثة العهد نسبيًا في تاريخ البشرية. لذلك فإن أدب «الوطن والأمة وسقاريا» ليس قديمًا بالقدر الذي يُتصوَّر، بل هو سردية سياسية وثقافية قوية بنتها الدول القومية الحديثة. ولم يقتصر هذا التحول على الخطاب فحسب، بل غيّر أيضًا المنطق الاقتصادي للحرب من أساسه؛ فقد كان من يقاتلون في معظم مراحل التاريخ يتحركون بدافع مصالح ملموسة كالراتب والغنيمة والأرض والمكانة أو حماية الحاكم، في حين أحلت الدولة القومية الحديثة الهوية الوطنية محل المصلحة الشخصية، والوطن محل الحاكم، وفكرة الواجب المقدس محل المكافأة المادية.

لذلك فإن قراءة بيت يحيى كمال بياتلي في قصيدته «الغزاة» (Akıncılar): «ألف فارس، وكنا في الغزوات مرحين كالأطفال»، باعتباره مجرد سردية بطولية رومانسية، قراءة قاصرة. فذلك المرح لم يكن مرح نشوة الفتح وحدها، بل كان أيضًا مرح الغنيمة والثروة والأراضي الجديدة وأمل الصعود الاجتماعي التي يحملها النصر. فالحرب كانت في الوقت ذاته نشاطًا اقتصاديًا، وكانت تعِد الطرف المنتصر بمكسب مادي أيضًا.

أما الدولة القومية الحديثة فقد أقامت محل هذه العلاقة اقتصاد معنى مختلفًا تمامًا؛ إذ حلت الهوية الوطنية محل الغنيمة، وحل الوطن محل الحاكم، وحل خطاب التضحية المقدسة محل المصلحة الشخصية. وهكذا أُقنع الفقراء خصوصًا بأنهم «أصحاب الوطن» حتى وإن لم يملكوا منه شبرًا واحدًا، ودُعوا إلى الموت في سبيله من دون انتظار أي مقابل مادي.

ولعل هذا هو أبرز نجاح أيديولوجي حققته الدولة القومية الحديثة: أنها حولت من لا يملكون شيئًا إلى حرّاس للملكية، ومن لا أرض لهم إلى حراس للأرض، والفقراء إلى حماة متطوعين للحدود. فدفع جموع الناس إلى الموت باسم الانتماء الوطني من دون انتظار أي مقابل مادي يُعد أحد أقوى المنتجات الأيديولوجية للنظام السياسي الحديث.

ولا يمكن إغفال البعد النفسي لهذه العملية؛ فالخطاب القومي لا يُنتج الانتماء فحسب في كثير من الأحيان، بل يقدم أيضًا تعويضًا نرجسيًا. فالفرد الذي يشعر بالعجز عن التأثير في حياته، ويصارع الفقر أو الإقصاء أو مشاعر الفشل، يُمنح إحساسًا بأنه فاعل في التاريخ، وجزء من قضية كبرى، وأنه مهم إلى درجة قادرة على إنقاذ البلد أو العالم. وهكذا يُعوَّض ضعف الحياة اليومية بإحساس العظمة الذي توفره الهوية الجماعية، وتُحاوَل معالجة النرجسية الفردية داخل النرجسية الوطنية أو الجماعية.

ومن ثم يخرج الموت من كونه مجرد نهاية بيولوجية، ليُعاد تعريفه بوصفه واجبًا مقدسًا يجب أداؤه من أجل بقاء الأمة. وبينما تصبح التضحية إحدى أسمى الفضائل، تُقدَّم حياة الفرد بوصفها قيمة يمكن التضحية بها في سبيل استمرار الأمة.

غير أن الموت تجربة لا يواجهها الإنسان في حياته إلا مرة واحدة. وما يجعله بهذه الصدمة هو تفرده وعدم قابليته للتكرار واستحالة التدرب عليه. لذلك فإن الموت مرعب في آن واحد، وهو أيضًا أخص حقائق الإنسان وأكثرها استحالة على التنازل عنها لغيره.

ولعل هذا ما يجعل الإنسان مطالبًا بأن يموت لا في سبيل مُثُل الآخرين أو مقدسات الدول أو السرديات المجردة، بل في داخل معنى حياته هو. لأن الموت، في نهاية المطاف، ليس ملكًا لشعار سياسي، بل هو الحقيقة الوحيدة والأخيرة التي تخص الإنسان نفسه.

على الإنسان أن يموت لذاته.

في موقع الحادث

عندما وصلنا إلى موقع الحادث، توقفت السيارة التي كانت خلفنا أيضًا. وكانت الصرخات المرتفعة من داخل السيارة المحطمة تملأ المكان بإحساس عميق بالعجز. وفي تلك اللحظة توقفت سيارة أخرى قادمة من الاتجاه المعاكس، ونزل منها عدد من الأشخاص. أخذت مجموعة منهم، من دون إضاعة وقت، تفتح أبواب السيارة وتحاول إخراج الجرحى، في حين حاولت مجموعة أخرى منعهم وهي تصرخ: «لا تلمسوهم، انتظروا الإسعاف!». وفي ثوانٍ معدودة اشتد الجدال، وعلت الأصوات، وبدأ التدافع. وفي النهاية تحول انتباه الجميع من الجرحى إلى بعضهم بعضًا؛ فنُسي من كانوا قبل قليل يتألمون وينتظرون النجدة، وبدأ الأصحاء من حولهم يتعاركون فيما بينهم.

وفكرت في تلك اللحظة أن ما كان يجري هناك ربما لم يكن مجرد عراك. فالإنسان لا يحتمل أحيانًا الألم النفسي الحاد الذي يشهده. ورؤية عجز شخص عزيز، والعجز عن مساعدته، ومواجهة احتمال الموت، كل ذلك يشكل عبئًا يصعب على الروح تحمله. وفي مثل هذه اللحظات قد تُحوّل الروح الألم الذي تعجز عن حمله إلى قناة أخرى، وقد يكون العراك أحد هذه السبل؛ إذ يتحول التوتر النفسي غير المحتمل في الداخل إلى صراع جسدي. فتصبح اللكمات والصرخات والوجوه الدامية المقابل الجسدي المرئي للألم النفسي غير المرئي؛ وكأن الإنسان يحاول أن يجعل العجز الذي تولّده مشاهدة ألم الآخر أمرًا يمكن السيطرة عليه، بتحويله إلى ألم ملموس يشعر به في جسده هو.

ولعل هذا ما يفسر رؤيتنا في مواقع الحوادث أشخاصًا يتعاركون إلى جانب الجرحى. فالمعركة الحقيقية غالبًا ليست بين بعضهم بعضًا، بل مع العبء النفسي الذي يعجزون عن تحمله. ويتحول الجسد إلى مسرح للألم الذي لا تستطيع الروح حمله، فيُترجَم الألم النفسي إلى ألم جسدي؛ لأن جرح الجسد يكون أحيانًا أهون احتمالًا من جرح الروح غير المرئي.

تاركوفسكي والوجع النفسي

يروي تاركوفسكي حكاية عن شخص أصيب إصابة بالغة في حادث قطار، فتجمّع حوله الناس. حاولوا فهم ما جرى، وتحدثوا فيما بينهم، وناقشوا الحادثة، لكنهم لم يساعدوا الجريح. وحين أدرك الجريح أن أحدًا لا يساعده، حاول أن يضمّد جرحه بنفسه. وهذا المشهد ليس مجرد مشهد إهمال جسدي؛ بل يصور أيضًا انهيار الشهادة على الألم. فالناس أحيانًا لا يستطيعون حقًا النظر إلى ألم غيرهم؛ لأن النظر إلى ذلك الألم لا يعني مجرد رؤية الجرح الخارجي، بل يعني لمس وجع وعجز وشعور بالذنب بداخلهم هم أنفسهم. لذلك، بدلًا من مساعدة الجريح، يأخذون في الحديث حوله؛ فيصبح الكلام هنا أداة لعدم الرؤية لا أداة للفهم.

وأحيانًا يحاول الناس أن يخففوا، بالحديث فيما بينهم، من الألم النفسي الذي يولّده شهود ألم إنسان آخر. فهم بجانب الجريح لكنهم ليسوا معه، وكأنهم ينظرون إليه لكنهم في الحقيقة لا يرونه. ويتحول حديثهم فيما بينهم إلى ستار ينسجونه بينهم وبين الجريح، فيبقون داخل الحدث وفي الوقت نفسه بعيدين عن نداء الألم الحقيقي.

وهذا شكل آخر من موت الطرف الثالث الذي تحدثت عنه في مقالات سابقة. فالطرف الثالث الحي لا يكتفي بالمشاهدة، بل يشهد ويتدخل ويتحمل المسؤولية، ويمكنه أن يقول "ثمة من يتألم هنا". أما حين يموت الطرف الثالث، فإن الإنسان يدور حول الألم، يفسره، يجادل بشأنه، بل يتحدث عنه أيضا، لكنه لا يلمسه. فبينما يحاول الجريح أن يضمّد جرحه بنفسه، يكتفي الحشد بتضميد ضميره بالكلام.

قد نصبح أبطال كأس العالم

تلفت ماya غوبل في مقالها "Gegen die Shitshow" إلى أن السياسة والخطاب العام في عصرنا يتنظمان بشكل متزايد حول سيناريوهات الانهيار والسقوط والفناء. إذ يُوضَع الناس باستمرار داخل سردية تهديد دائمة: الدين يُدمَّر، والوطن يضيع، والأمة تحت الهجوم، والبلد يتمزق... ويُجمَع المجتمع لا حول أمل مشترك في المستقبل، بل حول خوف مشترك، ويبدأ لسان السياسة في إنتاج المزيد من الكوارث والتهديدات والأعداء.

إن نظاما سياسيا يتغذى على المشاعر السلبية يجعل الناس، مع مرور الوقت، مدمنين على هذه المشاعر أيضا. فالخوف والغضب والكراهية والشعور بالتهديد ليست مشاعر تديرها السلطة وحدها، بل ينقلها الناس فيما بينهم، ويعيدون إنتاجها، ويضاعفونها. وهكذا تتحول المشاعر السلبية إلى حلقة اجتماعية تغذي نفسها بنفسها. وبعد فترة، يبدأ الناس بالعيش لا بالأمل بل بالغضب، ولا بالفضول بل بالريبة، ولا بالتضامن بل بالعداء.

ومن أبرز سمات الدكتاتوريات أنها تدمر بشكل منهجي شعور الثقة الأساسية لدى الناس. و"الثقة الأساسية" التي تحدث عنها إريك إريكسون هي الأرضية النفسية التي تتيح للإنسان أن يختبر العالم بوصفه مكانا موثوقا وقابلا للتنبؤ. أما جان أميري، في كتاباته عن التعذيب، فيقول إن التعذيب لا ينزع من الإنسان جسده فحسب، بل ينزع منه أيضا ثقته بالعالم. فالإنسان الذي تعرض للتعذيب لم يعد قادرا على الثقة بأي شيء. وتخلق الأنظمة الاستبدادية عملية مشابهة على المستوى المجتمعي، إذ يبدأ الناس بالشك في جيرانهم، وفي المؤسسات، وفي الإعلام، وفي القانون، بل وفي أحكامهم الخاصة أيضا. فانعدام الثقة يولّد جنون الارتياب، وجنون الارتياب يولّد مخاوف جديدة، وهكذا يعيد النظام بناء نفسه عبر مشاعر سلبية تتضاعف باستمرار. ذلك أن الإنسان الخائف لا يكتفي بالهروب من التهديد، بل يزداد تشبثا بالقوة التي تعده بالأمان.

وعلى هذه الأرضية بالتحديد تكتسب نظريات المؤامرة قوتها، فجنون الارتياب لا يميل إلى قراءة العالم عبر المصادفات والتناقضات وحالات عدم اليقين، بل عبر النوايا الخفية والخطط المستترة والأعداء غير المرئيين. ويريد العقل البشري، خصوصا في لحظات الخوف وانعدام الثقة، أن يحوّل الأحداث المعقدة إلى حكاية بسيطة ومتماسكة. وغالبا ما تبدو فكرة "ثمة من يفعل هذا عن قصد" أكثر احتمالا من الألم الذي يسببه الغموض، فالعدو، حتى لو كان وهميا، أكثر تحديدا من عدم اليقين.

ولعل ميل الإنسان إلى نظريات المؤامرة له تاريخ يمتد لآلاف السنين. فقد حاول الإنسان، في أغلب الأحيان، تفسير الكوارث والأمراض والحروب والمجاعات والموت التي لم يجد لها معنى بإرادة قوى غير مرئية. وبهذا المعنى، لا يُعد الفكر التآمري نتاجا للبارانويا السياسية الحديثة وحدها، بل هو أحد الأشكال المظلمة لمحاولة الإنسان إضفاء معنى على الفوضى. وهنا تحتل مسألة الدين موقعا حساسا لكنه مهم، إذ يكون وصف الأديان مباشرة بأنها نظريات مؤامرة أمرا اختزاليا؛ لأن الدين ليس مجرد نظام تفسيري، بل هو أيضا مجال للحداد والمعنى والانتماء والأخلاق والعزاء. غير أن بعض السرديات الدينية، حين تتحول إلى نظام تفسيري غير قابل للمساءلة، تنزلق إلى منطق المؤامرة. فتفسير الشرور والكوارث أو الأزمات المجتمعية في العالم بوصفها خطة لقوى غير مرئية، والبحث عن نية مطلقة وراء كل حدث، واعتبار الشك خطيئة والطاعة فضيلة، كل ذلك يكشف عن هذه الأرضية المشتركة. لذلك فإن المسألة الحقيقية ليست الدين بذاته، بل ادعاء الحقيقة غير القابلة للمساءلة. فحين تعفي سردية ما نفسها من النقد والشك والتفكير، وحين تربط تعقيد العالم بسبب خفي واحد، وحين تبدأ، بدلا من تخفيف خوف الإنسان، بإدارة هذا الخوف، فإنها لم تعد تقتصر على مجال الإيمان، بل قد تتحول إلى بنية تُضعف الشعور بالثقة وتُبقي الإنسان في حالة ترقب دائم تجاه العالم الخارجي.

وتنقل الدكتاتوريات هذا المنطق أيضا إلى المستوى السياسي، فهي تنتج أعداء باستمرار، وتُظهر تهديدات باستمرار، وتُبقي شعور "يريدون إبادتنا" حيا على الدوام. وهكذا ينشغل المجتمع بمطاردة أعداء غير مرئيين بدلا من التفكير في مشاكله الحقيقية. ولم يعد انعدام الثقة عطبا، بل أصبح وقودا للنظام، فلا يستطيع الإنسان أن يثق لا بجاره ولا بالقانون ولا بالإعلام ولا حتى بإدراكه الخاص. وفي النهاية، لا تستولي الدكتاتورية على سلوك الناس فحسب، بل تستولي أيضا على قدرتهم على الثقة بالعالم.

وتعمل وسائل التواصل الاجتماعي اليوم أيضا، إلى حد كبير، وفق الاقتصاد العاطفي نفسه. فقد تحول الغضب والكراهية والاتهام والتشهير إلى أكثر الأدوات فعالية لجذب الانتباه، وتُبرز الخوارزميات المحتوى الذي يثير الغضب لا الذي يبعث على الهدوء. وتنتهي كل نقاش تقريبا بسيناريو انهيار أو كارثة أو فناء. ولا يكتفي الناس بالتعرض لهذه المشاعر، بل ينتجونها ويتشاركونها وينشرونها. وهكذا تتحول المشاعر السلبية إلى طاقة ينتجها المجتمع أيضا وليس السلطة وحدها.

غير أن أي نظام سياسي لا يمكن أن يصمد بالخوف وحده، فالإنسان لا يستطيع أن يعيش في خوف دائم. لذلك تضيف الأنظمة الاستبدادية إلى جانب الخوف شعورا جماعيا بالفخر. وتؤدي المشاريع الإنشائية الضخمة، والعروض العسكرية الكبرى، والخطابات المتكررة عن "الأكبر" و"الأقوى" و"الأكثر وطنية"، وسرديات الإنجاز الوطني هذه الوظيفة. فبينما يُقنَع المجتمع بأنه تحت تهديد دائم من جهة، يُغذَّى من جهة أخرى برموز تمنحه شعورا بالقوة.

ومن أكثر هذه الرموز لفتا للانتباه أدوات الموت، فالدبابات والطائرات الحربية والصواريخ والقذائف والطائرات المسيّرة لم تعد مجرد تقنيات عسكرية، بل تحولت إلى رموز للفخر الوطني. ويلفت الانتباه في هذا السياق العرض الذي قدمته تركيا في افتتاح كأس العالم، حيث بُرزت فيه الآليات العسكرية. وكون فخر بلد ما يُستمد من آلات الموت لا من فنه أو علمه أو قانونه أو مؤسساته التي تحمي حياة الإنسان، أمر يستحق التوقف عنده بالتفكير.

ويفسر إريش فروم، في تحليله للفاشية، هذا الميل بمفهوم "النخروفيليا" (حب الموت). ولا تعني النخروفيليا هنا اهتماما منحرفا بالجثث فحسب، بل يقصد بها فروم بنية شخصية تنجذب إلى الموت بدلا من الحياة، وإلى التدمير بدلا من الإنتاج، وإلى الهيمنة بدلا من الإبداع، أي إعجابا لا بما يضاعف الحياة بل بما يفنيها. لذلك فإن حب الموت ليس مجرد التسلل إلى المقابر ليلا وسرقة الجثث، فحب الموت يظهر أحيانا أيضا في العلاقة الفيتيشية التي تُقام مع السلاح. وحمل السلاح على الصدر، ووضعه تحت الوسادة، والتقاط الصور معه، أو التماهي معه كما لو كان شخصا محبوبا، كل ذلك يكشف عن الرابط الرمزي والعاطفي الذي يُقام مع أدوات الموت. والمقصود هنا ليس الاهتمام التقني بالسلاح، بل العلاقة الفيتيشية التي تُقام مع الأدوات المنتجة للموت.

وتبتعد الأشياء التي يُفتخر بها اليوم شيئا فشيئا عن المؤسسات التي تُبقي الإنسان حيا. فبدلا من العلم والتعليم والفن والصحة أو العدالة، تُبرَز القدرة على القتل. وتُقدَّم الطائرات المسيّرة والطائرات الحربية والصواريخ والقذائف لا بوصفها إنجازا تكنولوجيا فحسب، بل بوصفها رموزا أساسية للهوية الوطنية والفخر الجماعي. وهكذا تبدأ التقنيات المنتجة للموت بأخذ مكان القيم المنتجة للحياة.

وتتحول جرائم العصر الحديث المجهولة الفاعل بدورها. فالقتل يُحال شيئا فشيئا إلى التكنولوجيا، ويتحول الموت إلى عملية تقنية تُنفَّذ بجهاز تحكم عن بعد. أما من يطوّرون هذه الأدوات فيُقدَّمون لا بوصفهم مهندسين فحسب، بل أبطالا وطنيين. وهكذا تتحول جرائم الأمس المجهولة الفاعل إلى تقنية موت اليوم المعلومة الفاعل، ويُصفَّق لمنتجي الموت، ويُكافَؤون، ويوضعون في مركز الفخر المجتمعي.

ولعل أعظم إنجاز للأنظمة الاستبدادية ليس إخافة الناس فحسب، بل إن إنجازها الحقيقي هو جعل الخوف والغضب والموت أجزاء طبيعية من العالم النفسي اليومي للناس. فلم يعد الناس يُدارون بهذه المشاعر فحسب، بل باتوا هم أنفسهم ينتجونها، ويعيدون تداولها، وينقلونها فيما بينهم. وهكذا، دون حاجة إلى تدخل مستمر من السلطة، يتحول الخوف والكراهية وحب الموت إلى نظام اجتماعي يعيد إنتاج نفسه بنفسه. وهذا النظام، بينما يروي للناس من جهة حكاية انهيار وفناء دائمين، يحوّل من جهة أخرى أدوات الموت إلى سردية خلاص وفخر. وهذه الحالة الروحية التي تُمجَّد فيها الموت لا الحياة، والتدمير لا الإنتاج، هي أحد أكثر الأشكال السياسية وضوحا اليوم لمفهوم النخروفيليا عند إريش فروم.

غير أن للاستعراضات النخروفيلية سخريتها المأساوية أيضاً. فمَن استعرضوا القوة بالأمس في شوارع أمريكا بأسلحتهم ومظاهراتهم وعبر منتخبهم الوطني، شاركوا في كأس العالم كجزء من الاستعراض نفسه، لكنهم في النهاية خرجوا من الدور وعادوا إلى بلادهم. أولئك الذين قدّموا عرضاً بالرموز الذكورية واستعراضات القوة وآلات الموت، تعرّضوا لخصاء رمزي على مسرح استعراضهم ذاته. فادّعاء العظمة والجبروت وعدم القابلية للهزيمة اصطدم بحدوده الخاصة داخل الملعب. الاستعراض الذكوري الذي بُني بأدوات الموت لم ينتج سردية انتصار دائم، بل تحوّل على العكس إلى كشفٍ عن النقص والهزيمة والهشاشة. ذلك أن كل سياسة تمجّد الموت لا الحياة، تصبح في نهاية المطاف ضحية استعراضها ذاته.

أعلم أن هذا نص مليء بالإحالات...

الآراء الواردة في هذا النص تخص كاتبها؛ وقد تتفق مع سياسة Rastinews التحريرية وقد لا تتفق. Rastinews منصة حرة منفتحة على الآراء المختلفة.

شارك

التعليقات

اكتب تعليقا

اقرأ أيضًا

    الموت لأجل الذات — Rastinews