انتقل إلى المحتوى
الأجندة16 دقيقة قراءة

الأشكال الخفية للعنصرية

شارك
الأشكال الخفية للعنصرية

Rastinewsأن يبدأ المرء مقالاً بخاتمته…

أدرك أنني أقف هنا أمام إشكالية أخلاقية جوهرية. فحين يناقش المرء العنصرية اليومية داخل صفوف العلويين أنفسهم، وهي جماعة تعرضت للإقصاء والاضطهاد عبر التاريخ ولا تزال تواجه عنصرية بنيوية حتى اليوم، لا يجوز دفع مظلوميتها التاريخية والبنيوية إلى الخلفية، ولا مساواة هذين المستويين ببعضهما. فمثل هذا التناول يحمل خطر تسليط الضوء على بعض تصرفات الضحية في الحياة اليومية، بينما يُخفي في المقابل التفاوت التاريخي والاجتماعي الأكبر بكثير الذي يحيط بها.

لا يهدف هذا المقال بأي شكل إلى وضع العنصرية البنيوية والعنصرية اليومية في مستوى واحد، أو مساواتهما، وبالتالي تسطيح الاضطهاد التاريخي والبنيوي الذي وقع في الماضي ولا يزال قائماً. فالاضطهاد والإقصاء والتمييز الذي تعرض له العلويون الترك والكرد عبر التاريخ ليس مجرد وقائع تخص الماضي وحده؛ إذ لا تزال آثاره وأشكاله البنيوية مستمرة حتى اليوم. وتغييب هذه الحقيقة بذريعة مناقشة المواقف العنصرية التي تظهر في الحياة اليومية أمر إشكالي تاريخياً وأخلاقياً على حد سواء.

ولهذا السبب بالذات، يحمل هذا المقال في طياته توتراً معيناً. فمن جهة، لا بد من إبقاء المظلومية التاريخية والبنيوية ظاهرة للعيان؛ ومن جهة أخرى، لا بد من التأكيد على أن هذه المظلومية لا تمنح الشخص أو الجماعة حصانةً تبرر التصرف بشكل تمييزي أو مهين أو عنصري تجاه الآخرين. فكون شخص أو جماعة ضحيةً للعنصرية البنيوية في سياق ما، لا يعني أنه لا يمكن أن يكون فاعلاً للعنصرية اليومية في سياق آخر. لكن في المقابل، لا يمكن مساواة هذين الموقعين، أو شكلي العنصرية، أو النتائج المترتبة عليهما ببعضهما بعضاً.

قسوة تحت اسم النقاش…

يستدعي بروز لغة تزداد حدةً، بل وتتخذ طابعاً قاسياً في بعض الأحيان، داخل النقاشات بين العلويين أنفسهم، وقفةً خاصة. فحين يسود خطاب يستخف بالطرف الآخر ويقصيه وينكر هويته ولا يتورع عن جرحه، بدلاً من محاولة فهمه، يخرج النقاش عن كونه مجرد اختلاف في الرأي. وهذا بالضبط ما يقلقني في الآونة الأخيرة: تصلّب اللغة تدريجياً، وتحوّلها إلى خطاب أكثر إقصاءً وتحقيراً من الطرفين، وظهور ملامح فاشية عليها في بعض الأحيان. فالطرف الآخر لم يعد يُعامل كمحاور، بل كموضوع يمكن إصدار الأحكام عليه وتصنيفه وتجريده من قيمته.

لهذا أردت أن أكتب شيئاً عن مناقشة العنصرية اليومية. وأنا إذ أفعل ذلك، لا أهدف إلى إخفاء العنصرية البنيوية أو الاضطهاد التاريخي أو المظلوميات الحقيقية، أو نسبيتها، أو دفعها إلى مرتبة ثانية. بل على العكس، أعترض على أن تتحول المظلومية إلى منطقة محمية تمنح الشخص أو الجماعة حق التصرف بشكل تمييزي أو مهين أو عنصري تجاه الآخرين. فتعرّض جماعة ما للاضطهاد تاريخياً لا ينبغي أن يجعل العنصرية اليومية داخلها، أو في علاقاتها مع جماعات أخرى، أمراً غير قابل للنقاش.

لذا، لا بد من حمل حقيقتين في آن واحد: المظلومية التاريخية والبنيوية حقيقة واقعة وغير قابلة للنقاش؛ لكن هذه المظلومية لا يمكن أن تكون مبرراً لإهانة الآخر أو إقصائه أو استخدام لغة عنصرية تجاهه في الحياة اليومية. ولسنا مضطرين إلى إخفاء إحدى الحقيقتين لإظهار الأخرى.

"علماني، حداثي، ديمقراطي…" أشعر منذ زمن طويل بالحذر تجاه الجمل التي تبدأ بهذه الكلمات. ذلك أنها جميعاً مفاهيم ذات دلالات إيجابية. فحين يصف الإنسان نفسه بأنه علماني أو حداثي أو ديمقراطي أو تقدمي أو اشتراكي، يكون قد حدد لنفسه موقعاً أخلاقياً منذ بداية الجملة، ثم يفترض أن كل ما سيقوله بعد ذلك سيبقى تحت حماية هذه الصفات الإيجابية. ولهذا السبب بالذات، تستطيع أفكار بالغة القتامة أحياناً أن تختبئ خلف مفاهيم بالغة النصاعة. وأرى أنه يجب، قبل كل شيء، التخلص من وهمٍ عند مناقشة العنصرية، وهو الارتياح إلى عبارة "أنا لست عنصرياً". فلا أحد منا محصّن تلقائياً من التحيزات والتراتبيات وثنائية "نحن" و"هم" التي ينشأ عليها المجتمع الذي يحتضنه. فالإنسان لا يبني قيمته الذاتية عبر صفاته الفردية وحدها، بل عبر الجماعات والهويات والسرديات الجمعية التي ينتمي إليها أيضاً. ونحن، أثناء تنشئتنا الاجتماعية، نستبطن كذلك ما يُنقل إلينا من تحيزات وتصورات عن التفوق والدونية.

وهذا لا يعني أن الجميع عنصريون حتماً. بل على العكس، إنه يحوّل مناهضة العنصرية من هوية إلى مسألة جهد متواصل. فبإمكان الإنسان أن يدرك تحيزاته، ويسائل امتيازاته، وينتقد ذاته، ويقلّص نزعاته العنصرية قدر الإمكان. لكن ذلك يستلزم أولاً أن يتخلى عن إصدار شهادة براءة لنفسه بعبارة "أنا لست عنصرياً أصلاً". فمناهضة العنصرية ليست مرتبة أخلاقية يصل إليها الإنسان مرة واحدة ويستقر فيها.

حق تعريف الآخر

من أبرز سمات الفاشية أنها ترى لنفسها حق تعريف الآخر. فالفكر الفاشي لا يكتفي بالإجابة عن سؤال "من أنا؟"، بل يمنح نفسه أيضاً صلاحية الإجابة عن أسئلة "من أنت؟ وماذا يمكن أن تكون؟ وماذا لا يمكن أن تكون؟". وبذلك يُنتزع من الآخر حقه في تعريف هويته بنفسه. ويتحول التعريف من مجرد مسألة معرفية أو مفاهيمية إلى علاقة سلطة: فأنا لا أعرّف نفسي فحسب، بل أعرّفك أنت أيضاً، وأقرر أي هوياتك حقيقية وأيها زائفة، وأيها مشروعة وأيها غير مقبولة.

وتُعد النازية أحد أبرز الأمثلة المتطرفة والأشد تدميراً تاريخياً على ذلك. إذ لم يعد اليهود يُعرَّفون عبر تاريخهم وثقافتهم ومعتقداتهم وهوياتهم، بل عبر الفئات التي فرضتها عليهم الأيديولوجيا النازية. فاستعارات مجرِّدة من الإنسانية مثل "القذارة" و"الحشرات" و"الطفيليات" لم تكن مجرد شتائم هنا، بل حملت معها منطق الفعل الذي سيُتخذ حيالها: فالقذارة تُنظَّف، والحشرات تُباد، والطفيليات يُتخلص منها. فحين يُنزع عن الإنسان وصفه كإنسان ويوضع في مثل هذه الفئة، يصبح بالإمكان تطبيع العنف الذي يُمارَس ضده تدريجياً. وهكذا لا تكون اللغة مجرد أداة للتعبير عن العنف، بل تمهيداً له.

وبالطبع، لا ترقى نقاشات الهوية اليومية إلى مستوى النازية التاريخية. لكن أشكالاً أخف وأكثر يومية من آلية تعريف الآخر من الخارج، رغم إرادته، يمكن أن تظهر أيضاً في علاقات اجتماعية مختلفة. فعلى سبيل المثال، حين تُطرح في بعض النقاشات بين العلويين الترك والكرد أسئلة من قبيل "من هو العلوي الحقيقي؟" و"من الذي تحوّل لاحقاً؟" و"علوية من هي الأصيلة؟"، قد تخرج المسألة عن كونها مجرد بحث تاريخي. إذ يبدأ فرضُ حكمٍ من الخارج على الطريقة التي يعرّف بها الشخص نفسه: "أنت لست علوياً"، "أنت في الحقيقة تركي"، "أنت في الحقيقة كردي"، "أنت لست متحولاً"، "أجدادك كانوا كذا وكذا، وبالتالي لا يمكنك أن تعرّف نفسك اليوم بهذه الصورة".

والمشكلة هنا ليست في البحث عن الجذور التاريخية للناس. فبالطبع يمكن البحث في تاريخ الهويات، ونقد الادعاءات التاريخية، ومناقشة مسارات مثل النسب واللغة والثقافة والهجرة والانصهار مناقشةً علمية. المشكلة تكمن في استخلاص حكم مطلق من المعرفة التاريخية بشأن هوية الإنسان اليوم. فكون أجداد شخص ما قبل ثلاثة أو خمسة أو عشرة أجيال كانوا كذا، لا يمكن أن يحدد وحده كيف سيعيش هذا الشخص نفسه ويعرّفها اليوم. فالتاريخ قد يزودنا بمعلومات عن أصل الإنسان ومنشئه، لكنه لا يملك أن يقرر من يحق له أن يكون اليوم.

قد يشعر طفل نشأ في عائلة تعيش في ألمانيا منذ أجيال بأنه ألماني. فهو يفكر بالألمانية، ويعيش داخل الثقافة الألمانية، وينظر إلى ألمانيا بوصفها مجتمعه. وعندما يُقال له "لا، لا يمكنك أن تكون ألمانياً؛ لأن جدك كان تركياً"، فإن ذلك يتجاوز مجرد تقديم معلومة تاريخية إلى التدخل في حقه في تعريف هويته الخاصة. وبالمثل، إذا كان شخص ما يعرّف نفسه بأنه علوي، ويجد ذاته في الطقوس العلوية، ويعيش داخل هذا التقليد تجربة دينية أو ثقافية أو روحية، فإن قول شخص من الخارج "أنت لست علوياً" استناداً فقط إلى شجرة النسب يحمل بدوره آثار منطق تعريفي سلطوي.

ويمكن ملاحظة آلية مشابهة فيما يتعلق بالهويات الجنسية. فحين يُقال لشخص "لا يمكنك أن تعرّف نفسك هكذا؛ أنت مريض، وسنعالجك"، تتم مصادرة حقه في تعريف حياته وهويته. والبنية المشتركة هنا واحدة: "لا أملك سلطة تعريف نفسي فحسب، بل سلطة تعريفك أنت أيضاً. أنا من يقرر من أنت، وكيف يجب أن تعيش، وأي هوية من هوياتك مشروعة."

وينبغي هنا التمييز بوضوح: أنا لا أقول إن كل من يعرّف الآخر، أو يبدي رأياً في هويته، أو يطلق عليه أحياناً اسماً لا يرغب فيه، هو فاشي. فالمسألة ليست إعلان أشخاص "فاشيين" مباشرة، بل كشف النزعة الفاشية الكامنة في نمط معين من التفكير وإقامة العلاقات. فالسمات الفاشية لا تظهر فقط لدى من يعرّف نفسه صراحة بأنه فاشي أو من ينتمي إلى أيديولوجيات فاشية. فقد تظهر أنماط تفكير وسلوك فاشية في حالات معينة حتى لدى من يعتبرون أنفسهم ديمقراطيين أو تقدميين أو ليبراليين أو يساريين أو تحرريين. فالاستخفاف بحق الآخر في الكلام عن نفسه، والزعم بامتلاك سلطة تعريفه من الخارج رغماً عن إرادته، وفرض هذا التعريف عليه، يُعد بهذا المعنى أحد النزعات المميزة للفاشية.

ونجد هنا أيضاً آثار تقليد الاستحواذ والتسمية والتعريف الذي نعرفه من الاستعمار. فالسلطة الاستعمارية لا تكتفي بالاستيلاء على الأراضي والموارد، بل تُسمّي البشر والشعوب واللغات والثقافات وتصنّفها وتعرّفها ضمن مقولاتها الخاصة. والتسمية بهذا المعنى ليست فعلاً لغوياً بريئاً؛ إذ قد تكون تعبيراً عن اعتقاد بامتلاك حق التصرف في شيء ما. فالذات التي تقول "أنا من يقرر أي اسم يُطلق عليك، وإلى أي جماعة تنتمي، ومن أنت" تتعامل مع الآخر وكأنه ملك خاص لها، وتُقيم عليه نوعاً من ملكية التعريف.

وتظهر هنا بالتحديد إحدى نقاط التقاطع بين المنطق الفاشي والمنطق الاستعماري: مصادرة سيادة الآخر على ذاته. فالاستحواذ لا يعني فقط امتلاك أرض أو جسد أو وجود مادي؛ فاغتصاب حق الآخر في التعبير عن نفسه وتسمية ذاته يمكن أن يكون هو أيضاً شكلاً من أشكال الاستحواذ. وقول "مهما عرّفت نفسك، فأنا أعرف من أنت في الحقيقة" يعني عدم الاعتراف بسلطة الطرف الآخر على وجوده الخاص. وبذلك تُنتزع منه حرية تعريف الذات، وهي أحد أهم أبعاد حرية الآخر.

وعليه، فإن ما يجري هنا ليس تشخيصاً لشخصية أو هوية. الهدف هو كشف النزعة السلطوية والفاشية، والاستعمارية أحياناً، الكامنة في نمط معين من السلوك والتفكير وإقامة العلاقات. فالمشكلة ليست فقط في الاسم الذي يُطلق على الآخر، بل بشكل أعمق في من يرى لنفسه حق تسمية من، ومن أين استمد هذا الحق.

لذلك فإن الموقف الفاشي لا يقتصر على رموز أو أحزاب أو أنظمة تاريخية بعينها. فأحد أنماط التفكير الكامنة في أساسه هو تصنيف العالم وفق مثال أعلى خاص به، وإعلان أن كل من لا يتوافق مع هذا المثال شخص خاطئ أو فاسد أو زائف أو دنس أو خطير. ويُعتقد بعد ذلك أن حقاً ينشأ في تصحيحه أو إقصائه أو إسكاته، وفي الحالة القصوى، التخلص منه. وبينما يُبطَل مفعول ما يقوله الآخر عن نفسه، يُضفى على التعريف الآتي من الخارج طابع الإطلاق.

ويمكن رؤية مثال أكثر يومية بكثير على هذه الآلية في التنمر المدرسي. فأحد أكثر أشكال التنمر شيوعاً في المدارس هو اختزال الطفل في سمة واحدة، أو إطلاق لقب عليه لا يرغب فيه، أو الاستمرار في تعريفه عبر خاصية لا يحبها. وحين يُظهر الطفل بوضوح أنه منزعج أو غاضب أو حزين من ذلك، فإن تكرار القول نفسه لم يعد مجرد مزحة بسيطة. بل على العكس، غالباً ما يتحول انزعاج الطفل نفسه إلى سبب لاستمرار هذا السلوك. فالطفل الذي يقول "لا تنادوني هكذا" يُنادى مراراً وتكراراً باللقب عينه الذي لا يريده.

ويحدث هنا تحول مهم: فما يبدو في البداية مجرد تسمية، يتحول إلى أداة لانتهاك حدود الطرف الآخر وفرض السيطرة عليه. ولم يعد الهدف وصف شخص ما، بل استدرار رد فعله، وإغضابه، وإيذاؤه، وترسيخ التفوق عبر الاستمرار في تعريفه رغماً عنه. لذلك فإن جوهر التنمر لا يكمن فقط في كون الكلمة المستخدمة إهانة أم لا. فقد تكون الكلمة نفسها عادية تماماً في بعض الأحيان. فالتنمر يظهر في التجاهل الواعي لإرادة الطرف الآخر حين يقول "لا تسمّني هكذا".

ويمكن ملاحظة علاقة مشابهة، بشكل مثير للدهشة، في بعض النقاشات السياسية والثقافية والهوياتية بين البالغين. فقد تكون المفاهيم المستخدمة أكثر تعقيداً وفكرية وسياسية، لكن منطق العلاقة قد يظل طفولياً إلى حد بعيد: "مهما عرّفت نفسك، فأنا سأطلق عليك الاسم الذي أراه مناسباً؛ وكلما رأيت أن ذلك يزعجك، سأستمر في قوله."

وكون هذا يحدث بين أشخاص بالغين لا يُزيل عن السلوك طابعه الطفولي. بل على العكس، فهو يُظهر كيف يمكن لسلوك كنا سنتعرف عليه بسهولة كتنمر في ساحة المدرسة أن يكتسب شرعية حين يُزَيَّن بمفاهيم سياسية أو فكرية. فحين لا يُؤخذ اعتراض الطرف الآخر بعين الاعتبار، بل يتحول الاعتراض نفسه إلى حافز لمواصلة التسمية ذاتها، فإننا لم نعد أمام نقاش يسعى إلى البحث المشترك عن الحقيقة، بل أمام استعراض للقوة.

والأكثر إشكالية هو أن هذا النوع من فرض الهوية يُمارَس أحياناً باسم الديمقراطية أو الحداثة أو التقدمية أو التحرر. وفي انتزاع حق الإنسان في تعريف نفسه بينما يُدّعى تحريره، تناقض جسيم في جوهره. فمقاربة "أنت تعرّف نفسك هكذا، لكنك في الحقيقة كذا" تظل موقفاً أبوياً مهما زُيّنت بمفاهيم تقدمية. لأن البعض هنا يمنح نفسه حق معرفة هوية الآخرين أفضل منهم أنفسهم، وتحديدها نيابة عنهم.

لذلك فإن الطريقة التي تُسمّي بها الجماعات المختلفة داخل مجتمع ما بعضها بعضاً أمر مهم أيضاً. فليست العلاقة تكافؤية حين تفرض جماعة على أخرى هوية لا ترغب فيها، وتصفها باسم تُقرّه جهة خارجية بدلاً من الاسم الذي اختارته لنفسها. بل إن الإصرار على التسمية نفسها رغم العلم اليقيني بانزعاج الشخص أو الجماعة منها، يُخرج المسألة من كونها مجرد نقاش نظري حول الهوية، ويحوّلها إلى شكل من العلاقة أقرب إلى التنمر.

لذلك فإن تعريف إنسان أو جماعة بطريقة لا يرغبون فيها ليس مجرد نقاش مفاهيمي بسيط. فالطريقة التي يعرّف بها الناس أنفسهم، والهوية التي يتبنّونها، والاسم الذي يريدون أن يُدعوا به، تشكّل جزءاً من حقهم في الكلام عن وجودهم الخاص. وقول "أنت في الحقيقة كذا" باستمرار من الخارج يعني تفريغ كلام الشخص عن هويته من قيمته. وهكذا يمكن أن يتحول التعريف إلى شكل من أشكال العنف الرمزي.

وهذا لا يعني بالطبع أن كل ما يقوله المرء عن نفسه غير قابل للنقاش من الناحية التاريخية أو الوقائعية. فالادعاءات التاريخية للناس يمكن انتقادها، وروايات الأصل يمكن البحث فيها، والذاكرة الجماعية يمكن مساءلتها. لكن ثمة فرقاً جوهرياً بين قول "قد يكون ادعاؤك حول التاريخ خاطئاً" وقول "أنا أعرف من أنت أفضل مما تعرف نفسك". فالأول نقد، أما الثاني فيحمل خطر التدخل في حق الشخص في الكلام عن وجوده الخاص. لذلك فإن السؤال الحقيقي في نقاشات الهوية ليس فقط "من أنت في الحقيقة؟". فثمة سؤال أعمق يسبقه: "لمن حق تقرير من أنت؟"

لا يملك أحد الحق في أن يضع نفسه مكان الله ويقول لآخر "لا يمكنك أن تشعر هكذا، ولا أن تعيش هكذا، ولا أن تكون هكذا". وهنا بالتحديد تكمن نقطة انطلاق المجتمع التعددي: الاعتراف بحق الآخر في ألا ينحصر في الهوية التي نمنحها إياه. وهنا بالضبط تُختبر الديمقراطية. فالديمقراطية ليست فقط أي تعريف تراه الأغلبية صحيحاً أو تقدمياً أو حديثاً. بل هي أيضاً أن يكون للناس صوت في أسمائهم وانتماءاتهم وهوياتهم. ومعرفة الآخر لا تعني وضعه في الفئة التي نراها مناسبة، بل تعني أخذ ما يقوله عن نفسه على محمل الجد.

في نهاية المطاف، قد يولّد فرض هوية غير مرغوبة على شخص ما، واختزاله في سمة واحدة فقط، والاستمرار في تسميته بالطريقة نفسها رغم اعتراضه، عنفاً رمزياً. وهذا السلوك يُعرَف بسهولة على أنه تنمّر حين يمارَس على طفل في ساحة المدرسة. لكن المنطق نفسه لا يصبح أكثر ديمقراطية حين يكرره البالغون بلغة السياسة أو الديمقراطية أو الحداثة أو التقدمية. فقد تكون اللغة ملكاً للبالغين والمفاهيم ملكاً للمثقفين، غير أن منطق العلاقة الذي يتجاهل إرادة الطرف الآخر ويواصل فرض التعريف نفسه رغم العلم بأنه يجرحه، قد يظل مطابقاً بشكل مثير للدهشة لمنطق التنمّر في مرحلة الطفولة.

هل توجد 'هوية نقية/خالصة/حقيقية'؟

تاريخ المجتمعات البشرية هو تاريخ الهجرات واللقاءات والزيجات والتحولات والتبادلات الثقافية. ولا يتفق مع الواقع التاريخي افتراض أن من يعرّف نفسه اليوم بأنه تركي أو كردي أو ألماني أو علوي أو بأي هوية أخرى، ينحدر من سلالة نقية ظلت دون تغيير على مدى قرون. بل إن فكرة النقاء تظل إشكالية حتى في تاريخ النوع البشري الأقدم بكثير. فقد سادَ لفترة طويلة اعتقاد بأن الإنسان العاقل (الهومو سابيينس) وإنسان نياندرتال كانا نوعين بشريين منفصلين تماماً، وأن نياندرتال انقرض دون أن يترك أي أثر جيني. غير أن الأبحاث الجينية تُظهر اليوم بوضوح حدوث تمازج جيني بين الإنسان العاقل ونياندرتال. وكما هو الحال مع أنواع كائنات حية أخرى، فإننا نحمل قرابة بيولوجية مع نياندرتال ضمن مسار التطور البشري.

تاريخ البشرية ليس تاريخ الانفصال فقط، بل هو أيضاً تاريخ الاختلاط. لذلك، غالباً ما تكمن خلف عبارات من قبيل "أنت لست تركياً حقيقياً" أو "أنت لست كردياً حقيقياً" أو "أنت لست علوياً حقيقياً"، فكرة النقاء والصفاء والجوهر الثابت الذي لا يتغير. وهذه بالضبط إحدى أخطر سمات الموقف الفاشي تاريخياً: البحث عن عرق نقي، أو أمة نقية، أو ثقافة نقية، أو دين نقي، أو هوية نقية.

غير أن الحياة الواقعية ليست نقية ولا معقّمة. فالناس يهاجرون، ويتزاوجون فيما بينهم، ويغيّرون لغاتهم، وتتمازج الثقافات، وتتحول المعتقدات، وتتشكل انتماءات جديدة. والهويات تتغير عبر التاريخ، ويؤثر بعضها في بعض، وتتراكم في طبقات، وتأخذ أشكالاً جديدة. لذلك فإن النظر إلى الهوية باعتبارها شكل انتماء يتشكل ويتحول تاريخياً، أكثر واقعية من النظر إليها بوصفها جوهراً ثابتاً ومغلقاً ونقياً.

في المقابل، يسعى الفكر الفاشي إلى تقليص هذا التعقيد. فهو يبحث عن أمة واحدة، وثقافة واحدة، وهوية واحدة، وطريقة حياة صحيحة واحدة، وإن أمكن عن أصل نقي. وتُعدّ فكرة الآرية في الإيديولوجيا النازية أحد أوضح الأمثلة التاريخية على ذلك، إذ جُعلت سمات جسدية ونَسَبية معينة معياراً للنمط البشري المثالي، ووُضع من يخرج عن هذا القالب في مرتبة أدنى. والمشكلة هنا ليست مجرد ملاحظة الاختلاف، بل ترتيب الاختلافات هرمياً: فيُعلَن أن أحدها حقيقي وأسمى، بينما توصف البقية بالنقص أو الفساد أو انعدام القيمة.

الحقيقة الواحدة ورفض التعددية

ولهذه الرغبة في النقاء والحقيقة الواحدة بُعدٌ تاريخي وديني أيضاً...

في العوالم المتعددة الآلهة، كان بإمكان مجتمعات مختلفة أن تمتلك آلهة مختلفة، وروايات مقدسة مختلفة، وطقوساً مختلفة، تتعايش جنباً إلى جنب. ولم يكن إيمان مجتمع ما بإلهه الخاص يعني بالضرورة أن إله مجتمع آخر زائف لا محالة؛ فقد كان بإمكان مقدّسات مختلفة أن توجد جنباً إلى جنب داخل العالم نفسه. ويُعدّ عصر إخناتون في مصر القديمة مثالاً تاريخياً بارزاً على هذا الانكسار. فالفرعون الذي اعتلى العرش باسم أمنحتب الرابع غيّر اسمه لاحقاً إلى إخناتون، وأضاف اسم الإله آتون إلى اسمه (وهنا يظهر أيضاً ادعاء كون الملك ممثلاً للإله على الأرض؛ ثم اعتُبر الأنبياء لاحقاً رسلاً للإله، فتشكلت التقاليد التوحيدية)، ونقل عبادة آتون إلى مركز الدولة، محدثاً قطيعة جدية مع النظام الديني التقليدي. ويظل الجدل قائماً حول ما إذا كان هذا يمثل توحيداً كاملاً بالمعنى الحالي للكلمة، لكن المهم هنا هو بروز ادعاء وجود حقيقة دينية واحدة وسامية.

وفي التقاليد التوحيدية اللاحقة، اكتسبت فكرة الإله الواحد والحقيقة الواحدة مكانة مركزية. واليهودية والمسيحية والإسلام لكل منها مسار تاريخي مختلف عن الآخر، ولا يصح اعتبارها متطابقة. لكن في فترات مختلفة، ظهرت ادعاءات حقيقة إقصائية لا تقتصر على "أنا أؤمن بإلهي"، بل تذهب إلى "هذا هو الإله الحقيقي، وما عداه ليس حقيقياً". كما أن محاربة الأصنام في بداية ظهور الإسلام وإزالة الأصنام من الكعبة كانا يعنيان أيضاً رفض شرعية النظام المقدس القديم.

ليست غايتي هنا إدانة أي دين. فمن الطبيعي بل ومن الحتمي أن يرى المؤمن عقيدته صحيحة وقيّمة وذات معنى. لكن المشكلة تكمن في الانتقال من "أنا أعتبر عقيدتي صحيحة" إلى "بما أن عقيدتي صحيحة، فإن عقيدتك خاطئة أو عديمة القيمة أو ينبغي القضاء عليها". الأولى إيمان، أما الثانية فقد تتحول إلى رفض للتعددية. وهنا بالتحديد يظهر أحد أهم مكتسبات التعددية المعاصرة؛ فالحداثة لا تطالب الإنسان بالتخلي عن عقيدته. يمكنك أن تعتبر حقيقتك الخاصة صحيحة، لكن يتعين عليك أن تقرّ بحق الآخر في العيش وفق حقيقته هو. والتعددية لا تعني القول إن جميع الحقائق متماثلة، بل تعني القبول بأن ادعاءات الحقيقة المتعارضة يمكن أن تتعايش في المجتمع نفسه دون أن يُلغي بعضها بعضاً.

من الثقافة الأحادية إلى التعددية

في الماضي، حين كان الناس يعيشون في مجتمعات أكثر انغلاقاً وأحادية الثقافة، كان تشابه المعتقدات وأنماط الحياة أمراً مفهوماً. فعلى سبيل المثال، في قرية يقطنها العلويون وحدهم، كان بإمكان الناس أن يتشاركوا إلى حد كبير في العلوية وطقوسها اليومية، وأنماط اللباس، وتسريحات الشعر، والنظرة إلى العالم، والعادات الاجتماعية. وفي عالم كان التغيير فيه بطيئاً والاحتكاك بمجتمعات أخرى محدوداً، كان الناس غالباً ما يظنون أن الشكل الذي يعيشونه هو العقيدة أو الثقافة نفسها. وكانوا يعتقدون أن العلوية التي رأوها في قريتهم هي العلوية ذاتها في كل مكان، وأن الإسلام الذي عرفوه في محيطهم يُعاش بالطريقة نفسها في جميع أنحاء العالم. أما إحدى السمات الأساسية للمجتمع المعاصر فهي، على العكس تماماً، التعددية.

وبات من الأكثر واقعية اليوم الحديث عن "علويات" لا عن علوية واحدة، وعن "إسلامات" لا عن إسلام واحد.

ومع هجرة الناس، وتلاقيهم في المدن، ونسج علاقات مع مجتمعات قادمة من مناطق مختلفة، أدركوا أن أشكال المعتقد التي كانوا يظنونها طبيعية ووحيدة، ليست في الواقع سوى شكل واحد من أشكال متعددة. فحين يلتقي علوي من چوروم بعلوي من سيواس، قد يلاحظ اختلافات في الجموع الدينية (الجَم) والطقوس والأدعية أو الممارسات الإيمانية اليومية. وينطبق الأمر نفسه على المجتمعات المسلمة؛ إذ يمكن أن تتباين أنماط اللباس والممارسات الدينية والعادات الاجتماعية والتأويلات الثقافية للمسلمين في مناطق مختلفة من العالم تبايناً كبيراً.

والمشكلة ليست في وجود هذه الاختلافات، بل في الصراع الذي يبدأ حين يصبح الاختلاف مرئياً: "أيها الحقيقي؟"، "أيها الأصح؟"، "أيها الأسمى؟". فحين لا يُقبَل بالتعددية، يبدأ إدراك الاختلاف لا بوصفه ثراءً، بل تهديداً للحقيقة. وعندئذ يعلن كل فريق أن الشكل الذي يعيشه هو الأصلي والحقيقي والنقي، ويبدأ في وصف الأشكال الأخرى بأنها فاسدة أو منحرفة أو مستحدثة أو زائفة.

ليست علوية واحدة، بل علويات

ويمكن ملاحظة آلية مشابهة في النقاشات الدائرة داخل العلوية نفسها.

فقد يتبنى شخص فهماً للعلوية محوره الإمام علي، بينما يقترب آخر من فهم للعلوية محوره الأناضول، أو من فهم ثقافي أو صوفي أو غير ذلك. ووجود هذه الأشكال في حد ذاته ليس مشكلة. المشكلة تبدأ حين لا تعترف هذه العلويات المختلفة بحق بعضها البعض في الوجود. "علويتك خاطئة"، أو "أنت لست علوياً حقيقياً، فأنا العلوي الحقيقي، والعلوية الأصيلة هي التي أعيشها أنا". فبمجرد نطق هذه العبارات، يتوقف الاختلاف عن أن يكون مسألة تعددية ويتحول إلى صراع على السلطة. واحترام المعتقدات لا يعني فقط التسامح مع الأديان الأخرى؛ فالاختبار الحقيقي هو قدرة الإنسان على تحمّل الاختلافات داخل عالمه الإيماني الخاص أيضاً.

وإذا كنا عاجزين عن قبول الأشكال المختلفة للعلوية، والتأويلات الإسلامية المختلفة، والطقوس المختلفة، والروايات التاريخية المختلفة داخل جماعتنا نفسها، فإن مفاهيم "التسامح" و"الحرية" و"الحداثة" و"العصرنة" التي نستخدمها تجاه الخارج قد تتحول بسهولة إلى شعارات جوفاء.

علويتي هي واحدة من العلويات، لا العلوية نفسها. والقدرة على قبول هذه الجملة هي بداية التعددية.

الآراء الواردة في هذا النص تخص كاتبها؛ وقد تتفق مع سياسة Rastinews التحريرية وقد لا تتفق. Rastinews منصة حرة منفتحة على الآراء المختلفة.

شارك

التعليقات

اكتب تعليقا

اقرأ أيضًا