الجميع موظفون ولا أحد مسؤول
موظف لكنه غير مسؤول...

موظف لكنه غير مسؤول...
نحن في المطار. أربعة أشخاص في مجموعة واحدة. نسأل الموظف عند مكتب تسجيل الوصول إن كان بإمكاننا الجلوس بجانب بعضنا، لأننا حين نظرنا عبر الإنترنت وجدنا أن كثيرًا من المقاعد لا تزال تبدو شاغرة وقابلة للشراء. وبما أن موعد إقلاع الطائرة بات وشيكًا جدًا، فإن احتمال بيع هذه المقاعد يكاد يكون معدومًا الآن. نشرح كل هذا للموظف، فيجيب بأن الأمر غير ممكن. أسأله إن كان كلامي منطقيًا، فيقول إنه كذلك. بل يعترف بأن طلبنا مفهوم ومنطقي تمامًا. غير أنه يوضح أنه لا يملك أي شيء يفعله. الموظف موجود لكنه غير مخوَّل. يجلس على رأس عمل ما لكن دون حق اتخاذ قرار بشأنه. يتفهم موقفنا، بل ربما يريد مساعدتنا، لكنه لا يستطيع التصرف وفق تقديره الخاص. لا يفعل سوى ما يسمح به النظام الماثل أمامه.
يصف عالم الاجتماع الألماني هارتموت روزا، في كتابه الصادر هذا العام (2026) بعنوان Situation und Konstellation. Vom Verschwinden des Spielraums (الوضع والتشكّل: اختفاء هامش الحركة)، كيف تتلاشى داخل المؤسسات الحديثة مساحات الحركة واتخاذ القرار المتاحة للأفراد. فالناس غالبًا ما يوجدون فقط لتنفيذ إجراء محدد سلفًا، دون أن يتصرفوا بإرادتهم أو أفكارهم أو مشاعرهم الخاصة. إذ تحدد القواعد والنماذج والخوارزميات والأنظمة الرقمية سلفًا كيفية التصرف في كل حالة. يُجلَس الموظف خلف مكتب وكأنه صاحب مسؤولية، لكنه في الواقع لا يحمل مسؤولية حقيقية ولا صلاحية اتخاذ قرار. ذلك أن المسؤولية لا تعني فقط تنفيذ المهمة الموكلة إليه، بل تعني أيضًا القدرة على تقييم الموقف واتخاذ القرار عند الحاجة. وحين تُلغى إمكانية اتخاذ القرار، لا يبقى سوى أداء المهمة.
وتصف عالمة الاجتماع الأمريكية آرلي راسل هوكشيلد، التي سبق أن أشرت إليها في مقالات سابقة، عملية مشابهة في كتابها الصادر في ألمانيا عام 2006 بعنوان Das gekaufte Herz: Die Kommerzialisierung der Gefühle (القلب المُشترى: تسليع المشاعر)، وتتناول فيه بشكل خاص موظفي شركات الطيران. تُظهر هوكشيلد كيف أن الاحتراف المهني لا ينظّم السلوك فقط، بل ينظّم أيضًا طريقة التعبير عن المشاعر. فلا يُطلب من موظفي الطيران أداء مهامهم فحسب، بل يُطلب منهم أداؤها بطريقة تُرضي الزبون وتُهدّئه وتشعره بالتقدير. وبذلك لا نكون أمام موظف يفتقر إلى صلاحية اتخاذ القرار وحسب، بل أمام شخص مُدرَّب على تقديم هذا الافتقار بابتسامة وتفهّم وتعاطف. فالموظف حين يرفض طلبك لا يحق له أن يغضب أو يُظهر انزعاجه أو أن ينتقد أمامك عبثية النظام صراحةً. عليه أن يُشعرك بأنه يتفهمك، وأن يتعامل معك بود، وأن يُخفّف قدر الإمكان من وقع الرفض.
وتصف هوكشيلد كيف يجري تدريب مضيفي ومضيفات الطيران بشكل خاص على الابتسامة ونبرة الصوت والود والتعاطف، وكأنها بروفة مسرحية تتكرر مرارًا وتكرارًا. فلا يُطلب من الموظف أداء سلوك معين فحسب، بل يُطلب منه أيضًا أن يولّد الشعور المناسب لذلك السلوك، أو أن يبدو على الأقل وكأنه يولّده. لم تعد الابتسامة تعبيرًا عفويًا عن مشاعر، بل أصبحت جزءًا من المهمة الوظيفية. وهكذا تحدد المؤسسة الحديثة ليس فقط صلاحية الموظف في اتخاذ القرار، بل أيضًا طريقة توظيفه لمشاعره. فالموظف لا يستطيع مساعدتك، لكن عليه أن يبدو راغبًا في المساعدة. لا يستطيع تلبية طلبك، لكن عليه أن يُشعرك بأنه يتفهمك. لا يستطيع تغيير القرار، لكنه ملزم بأن يجعل رفضه أكثر قابلية للتحمل.
يضاف إلى فقدان هامش الحركة والقرار الذي يصفه روزا، العمل العاطفي الذي تتحدث عنه هوكشيلد. إذ يُحدَّد سلفًا ليس فقط ما سيفعله الموظف، بل أيضًا بأي تعبير وجه وأي نبرة صوت وأي مظهر عاطفي سيؤديه. فالموظف الذي سُلبت إرادته يُجبَر على تقديم انعدام إرادته هذا في هيئة صدق وود. لذلك فإن ابتسامة الموظف في المطار قد لا تكون دليلًا على علاقة حرة نسجها بمحض إرادته. تلك الابتسامة هي الوجه الذي يقدّمه النظام للزبون. النظام يقول "لا"، وعلى الموظف أن ينقل هذا "اللا" بلطف وتفهّم وابتسامة.
نحن نعيش بالضبط في عالم كهذا: الجميع موظفون، لكن لا أحد مسؤول.
يتبع...
الآراء الواردة في هذا النص تخص كاتبها؛ وقد تتفق مع سياسة Rastinews التحريرية وقد لا تتفق. Rastinews منصة حرة منفتحة على الآراء المختلفة.
