أديلة خانم: أكبر فقر يعانيه الكرد هو غياب المعارضة
منذ نحو عامين، لم تكن العملية المعروفة باسم «تركيا بلا إرهاب» مجرد نقاش حول العلاقة بين الدولة وحزب العمال الكردستاني، أو حول السلاح، أو حول معادلة سياسية جديدة

Rastinewsلم تكن العملية المعروفة باسم «تركيا بلا إرهاب»، طوال نحو عامين، مجرد نقاش حول العلاقة بين الدولة وحزب العمال الكردستاني، أو حول مصير السلاح، أو حول معادلة سياسية جديدة. كانت في الوقت نفسه اختبارا لمدى قدرة الكرد أنفسهم على النقاش بحرية في ما بينهم.
وفي تقديري أن الكرد لم يجتازوا هذا الاختبار.
فقبل أن تتضح ملامح ما ستحمله العملية أو ما ستأخذه، رُسم خط فاصل غير مرئي: من يؤيد فهو مقبول، ومن يسأل فهو موضع شبهة.
ولم يكن الطرف المقابل لهذا التيار المنظم مجرد سياسيين، بل ضم معلمين وطلابا وعمالا وصحفيين وأكاديميين وكتّابا وفنانين وأناسا عاديين. فكثيرون ممن شككوا في العملية نوقشوا لا بمضمون ما قالوه، بل بـ«الجهة التي ينتمون إليها».
وفي هذا المناخ الذي تشكل على مدى عامين، ظل النقد في الغالب بلا رد؛ إذ كان الناقد نفسه هو من يوضع موضع النقاش. فبدلا من الرد على الكلام بكلام، وُضع على الطاولة ماضي القائل وبيئته وعلاقاته ونواياه بل وهويته أيضا.
وهكذا حل الانتماء محل النقاش.
وُضع أمام الكرد احتمال سياسي جديد، لكن المجال العام الذي كان يفترض أن يتيح نقاش هذا الاحتمال بحرية أخذ يضيق شيئا فشيئا.
وهذه ضربة قاسية للسياسة المدنية.
فالسياسة المدنية ليست مجرد صمت السلاح. إنها أن يتمكن المعترض أيضا من الكلام، وأن يُخلق فضاء لا يُوصم فيه من يسأل بالخيانة، ولا من ينتقد بالعداء، ولا من يشك بالاستفزاز.
فحين يُسكت السلاح ويُضبط الكلام بالانضباط، لا يكون ذلك اسمه ديمقراطية.
بؤس المعارضة
لكن للمسألة وجها آخر أيضا.
فالأوساط الكردية المعارضة للعملية أقامت هي الأخرى «حيّها» الصغير الخاص بها، وأنتجت بدورها أبطالها ومحرّماتها وأعداءها.
وبعد فترة، انحصر كل الثقل التاريخي والطبقي والثقافي والسياسي للقضية الكردية، بعمرها الممتد قرنا من الزمن، في نقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي تدور حول عدد قليل من الأشخاص.
وبرزت أسماء تحولت إلى محور النقاشات المعارضة للعملية، يعرفها الرأي العام جيدا ولا حاجة لسردها واحدا واحدا. وأصبح المخاطَب في النقاش هذه الأسماء لا الشعب الكردي.
وصواب ما قالته هذه الأسماء أو خطؤه نقاش آخر منفصل. فالمشكلة كانت في مكان آخر: في أن الطاقة الفكرية للرأي العام الكردي استُنزفت حول بضعة أشخاص.
وتحولت قضية تخص مستقبل شعب بأكمله إلى جدل يومي على بضعة حسابات على منصة إكس.
ونتيجة لذلك، لم يكتف مؤيدو العملية بتشكيل فضائهم الخاص، بل شكّل معارضوها فضاءهم أيضا.
وكان معاداة أوجلان الملاذ الأكثر راحة لبعض الأوساط المعارضة للعملية.
وانتقاد عبد الله أوجلان أمر مشروع بالطبع. فلا أحد فوق النقد.
لكن معاداة أوجلان ليست برنامجا سياسيا.
ومعارضة عبد الله أوجلان لا تعني بالضرورة امتلاك تصور لمستقبل القضية الكردية.
وحين تختزل تاريخ القضية الكردية الممتد قرنا كاملا في موقف سياسي مؤيد لشخص واحد أو معارض له، يصبح الإنكار الممتد منذ تأسيس الدولة وحتى اليوم، ومسألة اللغة، والتفاوت الاقتصادي، والتهجير القسري، والوصاية الإدارية على البلديات، والسجون، والتوازنات الإقليمية، والتحول الطبقي داخل المجتمع الكردي نفسه، كل ذلك يغيب عن الأنظار.
فلا يجوز التضحية بقضية عمرها قرن من الزمن على مذبح الصراع بين مؤيدي أوجلان ومعارضيه.
وفي النهاية لا يبقى سوى حيّين اثنين:
من يرى أن كل ما يقوله أوجلان صواب، ومن يرى أن كل ما يقوله خطأ.
فأين الكرد إذن؟
لكل حيّ «مثقفه»
ولعل المشكلة الحقيقية تبدأ من هنا بالذات.
فللكرد كثير من الكتّاب والأكاديميين والصحفيين والفنانين. لكن ثمة مشكلة جدية في تكوين فضاء فكري مستقل.
ذلك أن كل واحد بات بطل حيّه الخاص.
وحين لا يسأل الكاتب قبل أن يكتب «هل هذا صحيح؟» بل يسأل «ماذا سيقول حيّي عن هذا؟»، يصعب الحديث عن حرية فكرية حقيقية.
فمن يحسب حساب ردة فعل حيّه في كل شيء، من القناة التي سيظهر فيها إلى الصحيفة التي سيكتب فيها، ومن سيلتقط معه صورة، ومن سينتقد، وأي كلمة سيستخدم، ينتهي به الأمر إلى ألا ينتج فكرا بل يحمي حدود انتمائه فقط.
«ماذا سيقول جماعتي إن قلت هذا؟»
«كيف سيُنظر إليّ إن ظهرت على هذه القناة؟»
«هل سيقصيني حيّي إن كتبت هنا؟»
«ماذا سيظن متابعوني إن انتقدت هذا؟»
ومجموع هذه الحسابات الصغيرة لا يصنع حياة فكرية كبيرة.
وهذا ليس اسمه الفكر.
بل هو حراسة حيّ.
فالمثقف الحقيقي يزعج حيّه نفسه عند الضرورة. ومن لا يجرؤ على خسارة تصفيق محيطه، لا يكون كلامه العالي في وجه السلطة وحده دليلا على الشجاعة.
فالاختبار الحقيقي هو أن يقول الإنسان لمن يصفقون له: «أنتم أيضا مخطئون».
وهذا بالتحديد ما ينقص الساحة السياسية الكردية.
فعلى مر السنين، وُضع قطاع واسع، من الفنان إلى الصحفي، ومن الأكاديمي إلى الكاتب، داخل أحياء تنظيمية وسياسية ضيقة. ومن خرج عن حيّه اضطر إلى تحمل العزلة أو تشويه السمعة أو التحول إلى هدف.
وفي النهاية صار لكل جهة «مثقفها»، لكن الطبقة المثقفة الكردية المستقلة لم تتمكن من التقوي.
وصار لكل جهة «صحفيها»، لكن مجال الصحافة المستقلة ضاق.
وصار لكل جهة «فنانها»، حتى بات الفنان نفسه يُعرَّف بالحيّ الذي يصفق له.
وأخطر ما قد يصيب مجتمعا هو أن يتحول هذا الأمر مع الوقت إلى أمر عادي.
محكمة جديدة تُقام باسم اللغة
ومن أبرز أمثلة هذا المناخ المقال الذي وقّعه جميل أوغوز بعنوان «اللغة تركية، والاسم كردي؛ مفارقات الكرد»، والذي استهدف أيضا موقع «راستي نيوز» الذي أكتب فيه بدوري مقالا أسبوعيا.
فإذا قرأتَ النص بمعزل عن سياقه، قد تراه دفاعا نظريا عن اللغة الكردية.
والسؤال «اسمكم كردي، فلماذا تصدرون بالتركية في الغالب؟» سؤال مشروع بحد ذاته.
بل هو سؤال ضروري.
لكن قراءة أي نص ينبغي ألا تقتصر على مضمونه، بل تمتد إلى توقيته، والمناخ السياسي الذي صدر فيه، ومن اختار استهدافه ومن استثناه من النقد.
وهنا بالضبط يبدأ اعتراضي.
فقد ذُكر اسم «راستي» صراحة، ونزل النقد إلى مستوى كتّابها، وسُردت الأسماء واحدا واحدا، واستُخرج من خيار الإعلام الكردي اللغوي سلّم شرعية.
فلنمدد نحن أيضا هذا السلّم قليلا إلى الوراء.
والسؤال الأهم الموجه إلى جميل أوغوز: هل تذكرتم اللغة الكردية الآن فقط؟
سيد جميل أوغوز، إن كانت المسألة فعلا هي اللغة الكردية، فلنعد قليلا إلى الوراء.
لماذا لم تنتقدوا بالحدّة نفسها اعتماد حزب العمال الكردستاني والأوساط السياسية القريبة منه على التركية كإحدى لغتي التواصل السياسي الأساسيتين على مدى سنوات؟
ولماذا لم تجعلوا من هيمنة التركية في وسائل الإعلام التي أسسها الحزب أو التي كان له تأثير فيها قضية بالصرامة نفسها؟
ولماذا لم تراقبوا بالدقة نفسها التي تراقبون بها «راستي» اليوم، هيمنة اللغة التركية التي استمرت سنوات طويلة في الصحف والمجلات والقنوات التلفزيونية وقنوات التواصل السياسي التي أُنشئت في الشتات الأوروبي؟
فقد أُسست قنوات تلفزيونية.
وصدرت صحف.
وصدرت مجلات.
ومورست السياسة.
وخُوطب المجتمع.
وأُلقيت الخطب في المهرجانات.
ودُرّبت الكوادر.
وكان كل ذلك باللغة التركية.
والسؤال الآن:
هل بدأتم اليوم فقط في حساب اللغة الكردية؟
هل ناقشتم يوما ما إذا كان الشبان الكرد الذين التحقوا بالبنى التنظيمية من دون معرفة التركية، ثم تعلموها مع الوقت، حصلوا على الفرص نفسها لإنتاج فكري وسياسي بلغتهم الأم؟
وهل كتبتم يوما عن التناقض الذي يخلقه صعود شاب كردي إلى الجبل من دون معرفة التركية، ليتعلمها داخل الحياة التنظيمية، من دون أن يحصل على التعليم المنهجي نفسه لتطوير لغته الكردية؟
وهل تساءلتم يوما لماذا نُقلت المصطلحات السياسية التركية إلى الفلاح الكردي الذي لا يعرف التركية، بدل أن تُجعل لغته هي اللغة السياسية؟
ولنسأل أيضا عن السجون.
ألا يقول لكم شيئا أن جزءا من المعتقلين السياسيين الكرد الذين أمضوا عقودا في السجن، خرجوا بعد ثلاثين أو أربعين عاما وما زالوا يمارسون السياسة بالتركية في الغالب؟
يمضي الإنسان ثلاثين عاما، أربعين عاما في السجن.
يصل إلى مستوى يمكّنه من ممارسة السياسة بلغة الدولة، وقراءة الكتب بها، والنقاش بها؛ لكنه يجد صعوبة في التعبير عن نفسه بالعمق السياسي والفكري نفسه بلغته الأم.
فلماذا لم تفتحوا نقاشا كبيرا حول اللغة الكردية بمناسبة هذا الأمر؟
لماذا لم تسألوا: «لماذا لم يتمكن هؤلاء الناس، طوال كل هذه السنوات، من تعلم الكردية وتطويرها بالمستوى نفسه؟»
فما اسم هذا؟
أنكتفي بتفسيره بسياسة الدولة في التذويب، من دون أن نناقش أبدا نتائج الخيارات اللغوية داخل الحركة السياسية الكردية نفسها؟
فلنسأل بوضوح أكثر:
حين تمنع الدولة اللغة الكردية، تسمّون ذلك تذويبا.
وأنتم محقّون.
فلماذا لا تتحدثون عن تأثير ذلك على اللغة الكردية حين تضع الحركة السياسية الكردية اللغة التركية في صميم حياتها السياسية واتصالها التنظيمي وإعلامها وخطابها العام؟
لماذا يسود الصمت هناك؟
ولماذا لم تضعوا في صميم النقاش اللغوي كون الأعمال السياسية الكاملة لعبد الله أوجلان وخطابه الذي يصل إلى الرأي العام قد صيغا إلى حد كبير باللغة التركية؟
ولماذا لم تعتبروا ممارسة حزب العمال الكردستاني للسياسة باللغة التركية إلى حد كبير مع المجتمع الكردي في تركيا طوال عقود مسألة لغوية؟
ولماذا لم تسائلوا الثقل الذي احتفظت به اللغة التركية لسنوات في الخطاب السياسي لكوادر الجبل؟
ولماذا لم تكتبوا عن استمرار ثقل اللغة التركية في الاتصال السياسي الكردي حتى في الشتات؟
فأين كانت اللغة الكردية وسط كل هذا؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
فإذا أردنا حقا مناقشة وضع اللغة الكردية اليوم، علينا أن نتحدث ليس فقط عما فعلته الدولة، بل أيضا عن خيارات البنى السياسية الكردية نفسها.
وهذا لا يعني تبرئة سياسة الدولة في الصهر التي امتدت مئة عام.
فالحظر والقمع وسياسات الصهر التي مارستها الدولة على اللغة الكردية حقيقة تاريخية.
لكن هذه الحقيقة لا تجعل خيارات الحركات السياسية الكردية نفسها فوق النقاش.
بل العكس تماما.
فالشعب الذي لا يستطيع الحديث عن أخطاء مؤسساته لا يمكن أن يتحرر.
اللغة الكردية ليست عصاكم
تنصبون اليوم محكمة تقول: "اسمكم كردي لكن نشركم بالتركية".
فلماذا لم تنصبوا المحكمة نفسها لحيّكم السياسي طوال سنوات؟
إذا كنتم ستدافعون عن اللغة الكردية، فادافعوا عنها في مواجهة الجميع.
في مواجهة الدولة أيضا.
وفي مواجهة حزب العمال الكردستاني أيضا.
وفي مواجهة حزب الشعوب للمساواة والديمقراطية (DEM) أيضا.
وفي مواجهة راستي أيضا.
وفي مواجهتي أنا أيضا.
وفي مواجهتكم أنتم أيضا.
لأن اللغة الكردية ليست ملكا لأحد.
وكون الكردي يتحدث بلغته الأم أو يكتب بها أو يغني بها أو ينشر بها ليس منّة تُقدَّم للكرد.
من ينشر باللغة الكردية لا يسدي إلينا معروفا.
والسياسي الذي يتحدث الكردية لا يسدي إلينا معروفا.
والفنان الذي يغني بالكردية لا يسدي إلينا معروفا.
إنه يستخدم لغة شعبه.
هذا كل ما في الأمر.
لا يمكنكم تقديم استخدام شعب تعرض للصهر للغته على أنه وسام تفوق سياسي.
وأقل ما يمكن هو تحويل تلك اللغة إلى عصا تضربون بها كردا آخرين لا يعجبكم موقفهم.
اللغة الكردية ليست سلاحكم الأيديولوجي.
اللغة الكردية لغة شعب.
والدفاع عن لغة ذلك الشعب لا يكون بإخضاع الصحفيين الذين لا تحبونهم وحدهم لامتحان مدى كرديتهم.
أما الشجاعة الحقيقية فهي القدرة على مساءلة تاريخ حيّكم أنتم أيضا.
فلماذا في ذلك التوقيت بالذات؟
هنا يصبح توقيت مقال جميل أوغوز، من وجهة نظري، أكثر أهمية من النص نفسه.
ففي مرحلة يُناقَش فيها مسار "تركيا بلا إرهاب"، وتبدأ فيها أصوات مختلفة بالظهور في الرأي العام الكردي، ويمكن أن تتشكل فيها مساحات إعلامية جديدة خارج الخط التنظيمي، لماذا سُلِّط الضوء على منابر بعينها وأسماء بعينها عبر نقاش لغوي يبدو مشروعا من الناحية النظرية؟
لماذا راستي؟
لماذا عُدِّد كتّابها واحدا واحدا؟
ولماذا أُعيد تداول هذا المقال مرارا لفترة طويلة؟
وإذا كانت القضية هي اللغة الكردية، فأنتم أيضا تعلمون أن مأساتها الممتدة مئة عام لا يمكن تفسيرها بتحميل الفاتورة لبضع منابر إعلامية مستقلة.
عندئذ يجد المرء نفسه مضطرا للسؤال:
هل كان هذا مجرد مقال عن اللغة؟
أم كان محاولة لتضييق مساحة سياسية وإعلامية عبر نقاش لغوي؟
وحتى لو لم يُملِ عليكم أحد كتابة هذا المقال، فلماذا وضعتم قائمة أهداف كهذه في هذا المناخ السياسي بالذات؟
ولماذا اخترتم منابر بعينها بدلا من كل الأطراف الفاعلة في التراجع التاريخي للغة الكردية؟
وقد جعل فرض حجب على موقع راستي وتعرضنا لإجراءات قضائية بعد فترة نشر ذلك المقال هذه الأسئلة أكثر أهمية بالنسبة لي.
لن أقول هنا إن شيئا لا أستطيع إثباته هو حقيقة.
لكنني لن أسحب السؤال أيضا.
لأن توقيت النص، في الصحافة، يقول أحيانا أكثر مما يقوله النص نفسه.
ففيما كان احتمال ظهور أصوات مستقلة قادرة على الاعتراض على المسار يلوح في الأفق، رُبطت شرعية تلك الأصوات بالذات باختبار "إلى أي مدى أنتم كرد؟".
هنا يكمن اعتراضي.
الدفاع عن اللغة الكردية شيء.
وتحويلها إلى أداة لإسكات خصمكم السياسي شيء آخر.
فلا ينبغي لأحد لم يسائل بما يكفي هيمنة اللغة التركية في حيّه طوال سنوات أن يلقي اليوم على الآخرين دروسا في الانتماء إلى اللغة الكردية.
الصهر ليس له فاعل واحد
لا يمكن تفسير وضع اللغة الكردية اليوم دون رؤية القمع التاريخي الذي مارسته جمهورية تركيا على هذه اللغة.
وهذا أمر لا يحتاج حتى إلى نقاش.
لكن إلقاء كل المسؤولية على الدولة وتجنب مناقشة نتائج خيارات الحركات السياسية الكردية نفسها ليس من الأمانة الفكرية في شيء.
حظرت الدولة اللغة الكردية.
وأقصتها من الفضاء العام.
واستبعدتها من النظام التعليمي.
وحالت دون تعلّم أجيال بأكملها لغتهم الأم.
هذه حقائق تاريخية.
لكن بعد ذلك يبدأ سؤال آخر:
إلى أي مدى حرّرت الحركة السياسية الكردية اللغة الكردية في المساحات التي فتحتها لنفسها؟
ماذا فعلت في إعلامها الخاص؟
ماذا فعلت في تعليمها الخاص؟
ماذا فعلت في كوادرها السياسية؟
ماذا فعلت في إنتاجها الفكري؟
ماذا فعلت في شتاتها؟
ماذا فعلت في ممارستها داخل السجون؟
طرح هذه الأسئلة لا يعني تبرئة الدولة.
بل على العكس، إنه دعوة إلى أن يواجه الكرد تاريخهم بعقلية الراشدين.
الشعب الذي لا يستطيع الحديث عن أخطائه ليس حرا.
لا يمكن أن تكون صحافة الكرد أحادية الصوت أيضا
ننتقد منذ سنوات مركزة السلطة في تركيا للإعلام، وتقليصها للأصوات المختلفة، وتضييقها لمساحة الصحافة النقدية.
فلماذا نصمت حين يظهر رد الفعل نفسه في الساحة السياسية الكردية؟
لا يمكنكم أن ترفضوا أحادية صوت الدولة وتدافعوا في الوقت نفسه عن أحادية صوت التنظيم.
لا يمكنكم أن تعترضوا على "الصحفي المرغوب" لدى أنقرة ثم تصنعوا "صحفيكم المرغوب" الخاص بحيّكم.
لا يمكنكم أن تنتقدوا جيش المتصيدين التابع للدولة ثم تقدموا جيش المتصيدين الخاص بكم على أنه رأي عام ديمقراطي.
إذا كنتم تعادون صحفيا لأنه لا يسير على خطكم، فإن ما تدافعون عنه ليس صحافة حرة.
بل مجرد انتقال للسلطة من يد إلى أخرى.
وتحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى المختبر الأوضح لهذه الظاهرة.
ونرى أحيانا عشرات الحسابات تتحرك في آن واحد ردا على جملة واحدة يقولها حساب صغير، فيما يخرج النقاش من مضمونه ليتحول إلى تصفية حسابات شخصية.
وهذا المناخ يُعلِّم الناس درسا واحدا:
إن تحدثتَ فهذا ما سيحدث لك.
هكذا تبدأ الرقابة الذاتية.
لا يلزم أن تأتي الشرطة إلى بابكم لإسكاتكم.
يكفي أحيانا أن تعرفوا أن حيّكم سيترككم وحدكم.
حيث يلتقي عقل الدولة بالعقل التنظيمي
وثمة هنا مسألة أكثر إزعاجا بكثير.
ماذا تريد الدولة؟
مساحة سياسية يمكن التحكم بها.
وماذا تريد المراكز التنظيمية؟
مساحة سياسية يمكن التحكم بها.
الدولة لا تحب المواطن الذي يتحدث رغما عنها.
والعقل التنظيمي لا يحب الكردي الذي يتحدث رغما عنه.
تريد الدولة اختيار مَن تتحاور معه.
والتنظيم أيضا يريد اختيار مَن يتحاور معه.
تنزعج الدولة من الأصوات المشتتة والمستقلة وغير المتوقعة.
والبنية التنظيمية المركزية تنزعج من الأصوات نفسها.
هذه هي النقطة التي يتشابه فيها العقلان إلى أقصى حد.
وهذا لا يعني الادعاء بوجود اتفاق سري بينهما.
بل هي مسألة أكثر بنيوية من ذلك.
إنها التقاء رغبة التحكم لدى شكلين مختلفين من أشكال السلطة عند النقطة نفسها.
ومن يدفع ثمن ذلك هم الأفراد المستقلون.
لأنه كلما تقدمت المفاوضات بين الدولة والتنظيم، ضاقت باستمرار المساحة الثالثة التي لا يتحكم فيها أي منهما.
هذا هو قلقي الحقيقي.
أين هي المساحة الثالثة للكرد، المستقلة عن الدولة والمستقلة عن التنظيم في آن واحد؟
والخلاصة: الكرد تُركوا بلا بديل
هذا هو الفقر الحقيقي الذي نواجهه اليوم.
بقي الكرد بلا بديل.
من جهة، من يجدون صعوبة في تجاوز حدود المركز التنظيمي، ومن جهة أخرى، من يبنون سياستهم بالكامل على معاداة أوجلان.
من جهة، من يقولون "اصمتوا من أجل المسار"، ومن جهة أخرى، من يظنون أن معاداة المسار برنامج سياسي قائم بذاته.
وبين الطرفين، لم يستطع فضاء عام كردي مستقل أن يتطور.
بل إن وسائل التواصل الاجتماعي زادت هذا الجدب اتساعا.
واستُنزفت الطاقة الفكرية لآلاف الأشخاص حول بضعة حسابات وبضعة أكاديميين وبضعة صحفيين وسجالات لا تدوم سوى أيام.
تولى البعض حراسة الدفاع عن المسار.
وتولى آخرون حراسة معاداة أوجلان.
لكن قلة قليلة من الناس هم من خرجوا ليسائلوا الطاولة بأكملها.
غير أن ما كان يجب أن يتركه الكرد للأجيال السياسية الجديدة لم يكن أصناماً جديدة، بل ثقافة القدرة على الاعتراض.
ولم ننجح في ذلك.
لا يستطيع شعب أن يعيش من دون معارضة
لا يحتاج الكرد اليوم إلى التعبد لزعيم جديد أو سب زعيم قديم.
بل يحتاجون إلى بناء فضاء فكري جديد.
مستقل عن الدولة.
مستقل عن التنظيم.
مستقل عن الحزب.
مستقل عن التمويل.
مستقل عن "الحارة" (المحيط الحزبي الضيق).
وحر بما يكفي ليتحدث ضد كل هؤلاء عند الحاجة.
فالقوة السياسية لشعب لا تُقاس فقط بعدد النواب الذين يفرزهم، أو عدد المسلحين الذين يملكهم، أو عدد من يحشدهم في الساحات.
بل تُقاس أيضاً بمدى تحمّله للاعتراض الذي ينبع من داخله.
وربما هذه هي الحصيلة الأقل تداولاً لمسار "تركيا الخالية من الإرهاب" بالنسبة للكرد اليوم:
بينما يُناقش مستقبل السلاح، نُسيت حرية الكلمة.
وبينما تُبنى معادلة جديدة بين الدولة والتنظيم، ضاق الفضاء الذي يمكن أن يعيش فيه الصوت الكردي المستقل.
تحويل المؤيدين للمسار كل ناقد إلى عدو، وكذلك اختزال معارضي المسار للقضية الكردية بأكملها في معاداة أوجلان، وجهان لجفاف فكري واحد.
يحتاج الكرد إلى صوت ثالث.
صوت لا يأمر فيه أحد، ولا يُقدَّس فيه أحد، ولا ترسم فيه أي "حارة" حدوداً.
فالحرية ليست فقط القدرة على قول "لا" لأنقرة.
بل هي القدرة على قول "لا" عند الحاجة لقنديل، ولإمرالي، ولمراكز الأحزاب، ولرفيقك نفسه، ولمحيطك الذي يصفق لك منذ سنوات.
مجتمع لا يقدر على ذلك قد يكون متعدد الأصوات.
لكن ليست له معارضة.
وشعب بلا معارضة، مهما كان المسار الذي يبدأ، ينتهي محكوماً بالطاولة التي يبنيها آخرون نيابة عنه.
وبعد.
لن أقول شيئاً آخر…
الآراء الواردة في هذا النص تخص كاتبها؛ وقد تتفق مع سياسة Rastinews التحريرية وقد لا تتفق. Rastinews منصة حرة منفتحة على الآراء المختلفة.
