انتقل إلى المحتوى
الأجندة4 دقيقة قراءة

عادلة خانم: الحقيقة هي دَينكم للشعب الكردي

تتصدر العملية المعروفة في تركيا منذ مدة طويلة بـ«تركيا بلا إرهاب» جدول أعمال أنقرة، وأيضا جدول أعمال الكرد في مختلف أنحاء العالم، ذلك أن المسألة المطروحة ليست مستقبل بضعة أحزاب سياسية أو بضعة أسماء، بل مستقبل شعب دفع على مدى عقود أثمانا باهظة.

شارك
عادلة خانم: الحقيقة هي دَينكم للشعب الكردي

Rastinewsتتصدر العملية التي تُعرف في تركيا منذ مدة طويلة بـ«تركيا بلا إرهاب» جدول أعمال أنقرة، وأيضا جدول أعمال الكرد في مختلف أنحاء العالم. فالمسألة المطروحة ليست مستقبل بضعة أحزاب سياسية أو بضعة أسماء أو بضعة قياديين في تنظيم ما، بل مستقبل شعب دفع على مدى عقود أثمانا باهظة.

ولهذا السبب بالذات، يبقى السؤال الأول الواجب طرحه بسيطا:

إلى أي حد يعرف الكرد عن مستقبلهم؟

لا تكمن أكبر ضمانة لأي مسار سلام في الكتمان، بل في الشفافية. وحين يتعلق الأمر بإنهاء نزاع تجاوز أربعين عاما، فإن اتخاذ قرارات خلف أبواب مغلقة ثم إبلاغ المجتمع بها لاحقا لا يعزز السلام، بل يولّد على العكس من ذلك انعدام الثقة.

ذلك أن وراء هذه القصة بشرا لا أرقاما.

فهناك أمهات فقدن أبناءهن. وهناك آباء لم يصلهم خبر عن أبنائهم أو بناتهم لسنوات طويلة. وهناك من اضطروا لترك قراهم، وسياسيون مروا بالسجون، وعائلات أفنت أعمارها في المنفى. وهناك مئات الآلاف ممن كرّسوا حياتهم للنضال السياسي الكردي وربطوا مستقبلهم بهذا النضال.

لا يكفي اليوم أن يُقال لهذا المجتمع: «بدأت العملية، فادعموها».

بل لا بد أولا من قول الحقيقة.

فهل تُمحى ذاكرة روج آفا بهذه السهولة؟

وكل هذا ليس أصلا شأن ماض بعيد.

فروج آفا لا تزال حاضرة في الذاكرة.

فحين هاجم تنظيم داعش، توجّه آلاف الشبان الكرد إلى الجبهات. فقد آلاف منهم حياتهم، وأصيب آلاف آخرون. وقد قدّمت السياسة الكردية روج آفا طوال سنوات باعتبارها إنجازا، بل و«خطا أحمر».

أما اليوم فتُبنى في سوريا معادلة سياسية مختلفة تماما.

وبالطبع لا ينبغي لأي حرب أن تستمر إلى الأبد. فمن تحاربوا بالأمس قد يجلسون غدا إلى الطاولة ذاتها، وتزخر مسارات السلام حول العالم بأمثلة على ذلك. أليس معنى السلام أصلا ألا يبقى الأعداء أعداء إلى الأبد؟

لكن السلام ليس محو الذاكرة.

فلا يمكن فتح صفحة جديدة اليوم بتجاهل ما جرى بالأمس. ولا يمكن أن يُطلب من مجتمع أن ينسى بين ليلة وضحاها كل الخطابات السياسية التي فقد أبناءه من أجلها.

وإذا كانت سوريا جديدة ستُبنى، فما وضع الكرد فيها؟

وما مكانة اللغة الكردية؟

وما مصير من هُجّروا من ديارهم؟

وماذا سيتبقى من المكاسب السياسية والاجتماعية التي دفع عشرات الآلاف ثمنها؟

لا تحمل عبارة «السلام قادم» أجوبة عن أي من هذه الأسئلة.

حين يصبح السلام فوق النقد، هناك مشكلة

وهذا أحد الأمور التي تزعجني فعلا في العملية الجارية في تركيا.

أن يُقابَل كل اعتراض على هذه العملية تقريبا بعبارة «إنهم لا يريدون السلام».

وهذا نمط بالغ الخطورة من السياسة.

فدعم السلام أمر، والتشكيك في الطريقة المتبعة أمر آخر.

فبإمكان المرء أن يريد السلام وأن يقول في الوقت نفسه إن العملية غير شفافة. وبإمكانه أن يريد إسكات السلاح وأن يسأل في الوقت نفسه عن مصير مكاسب الكرد. وبإمكانه أن يقر بدور عبد الله أوجلان وأن يتساءل عن سبب إخفاء المفاوضات الجارية عن المجتمع.

ولا يعني أي من هذا الرغبة في الحرب.

بل هي على العكس أسئلة يجب أن يطرحها كل من يريد سلاما دائما.

أما محاولة إسكات الأصوات الكردية المعارضة بعبارات من قبيل «إنهم يريدون الحرب» أو «الجبال تنتظركم»، فليست من السياسة الديمقراطية في شيء.

لا يُفترض أن يتحدث المجتمع الكردي بصوت واحد.

ولا ينبغي له ذلك.

ماذا دار في إمرالي؟

على مدى أشهر، لم يُقدَّم للرأي العام سوى معلومات محدودة عن المحادثات الجارية بين إمرالي وقنديل والدولة.

ثم أثارت محاضر اجتماعات تسربت إلى الرأي العام جدلا مختلفا تماما.

وإذا كانت هذه المحادثات قد جرت فعلا، فإن المسألة أكبر بكثير من مجرد من ذهب إلى إمرالي ومن لم يذهب.

بماذا جرى النقاش؟

وماذا طُلب؟

وماذا قُبل؟

وأي الملفات المتعلقة بمستقبل الكرد وُضعت على الطاولة؟

وبماذا تعهدت الدولة؟

وعن أي مطالب تراجع الطرف الكردي؟

ومن حق الصحفي والسياسي والمواطن الكردي العادي على حد سواء أن يطرح هذه الأسئلة.

فثمن ما جرى تداوله على الطاولة لم يدفعه الجالسون إليها وحدهم.

والآن... تصل الجثامين

وفي خضم هذه المرحلة الحساسة بالذات، يمثل إرسال جثامين أشخاص قيل إنهم توفوا منذ سنوات إلى المدن الكردية مسألة بالغة الحساسية تستحق وقفة خاصة.

وتسليم جثمان أي إنسان إلى أسرته حق إنساني أساسي بطبيعة الحال.

لكن السؤال الحقيقي مختلف:

لماذا الآن؟

تخيلوا أما.

لم يصلها خبر عن ابنها منذ سنوات.

لا تعرف أنه توفي، أو لا تملك معلومات موثوقة عن توقيت وفاته وكيفيتها.

ثم يُطرق بابها ذات يوم.

ليصلها جثمان ابنها.

وتُقام مراسم العزاء.

وإذا تحوّل مكان العزاء إلى منبر لتوجيه رسائل سياسية قبل أن تتمكن تلك الأم حتى من الحداد على ابنها، فثمة هنا مشكلة أخلاقية بالغة الخطورة.

ولا ينبغي تحويل هوية الموتى وأسمائهم وجثامينهم إلى أداة لتعزيز القبول المجتمعي لأي مسار سياسي.

فالجنازة ليست مادة دعائية.

والحداد ليس دعاية.

ودموع الأم ليست كذلك بأي حال.

فإن كان ثمة رابط بين توقيت تسليم الجثامين والعملية السياسية الجارية، فيجب توضيح ذلك بشكل صريح. وإن لم يكن هناك رابط من هذا القبيل، فإن إزالة علامات الاستفهام الثقيلة التي تشكّلت لدى الرأي العام تظل مسؤولية السياسة أيضا.

ماذا بقي لهذا الشعب ليقدمه لكم؟

ولا بد من توجيه كلمة صريحة من هنا إلى الساسة الكرد.

لم يمنحكم هذا المجتمع أصواته الانتخابية فحسب.

بل قدّم لكم أكثر من ذلك بكثير.

قدّم أبناءه.

قدّم شبابه.

وقاسم رغيفه.

وعرف السجون.

وعاش المنافي.

أُخليت قراه، وهُدمت بيوته، وتعرّض للفقر والتمييز.

وانتظر عقودا وهو يقول: «سيكون لهذا يوما ثمن سياسي».

والآن، أبسط دَين لكم تجاه هذا الشعب هو الحقيقة.

قد لا تستطيعون الإفصاح عن كل شيء، فالدبلوماسية تستلزم أحيانا السرية، وللمفاوضات قواعدها الخاصة. لكن لا يمكنكم أن تخفوا إلى الأبد عن شعب ما الخيارات السياسية الجوهرية التي تحدد مستقبله.

ولا يمكنكم بأي حال تحويل ألم من دفعوا الثمن إلى أداة تواصل سياسي.

اصنعوا السلام، لكن اصنعوه نظيفا

لست ضد السلام.

بل إن جوهر المسألة هو بالضبط هذا:

ألا يتلوث السلام.

فالسلام الحقيقي ليس مجرد إسكات السلاح.

السلام حقيقة.

السلام مواجهة مع الذات.

السلام عدالة.

السلام ذاكرة.

هو الشجاعة على الحديث عن سبب موت الناس، وسبب مقتلهم، وسبب صعودهم إلى الجبل، وسبب دخولهم السجن، وسبب اضطرارهم لترك قراهم.

والأهم من ذلك كله، هو بناء نظام ديمقراطي وقانوني يضمن ألا تتكرر الآلام نفسها بعد اليوم.

لذلك فإن الكلمة الموجهة إلى الساسة الكرد واضحة تماما:

كونوا شجعانا.

كونوا صريحين مع شعبكم بقدر صراحتكم مع الدولة.

أخبروا بما تحدثتم فيه.

أخبروا بما حصلتم عليه.

أخبروا بما تنازلتم عنه.

اصنعوا السلام.

لكن اصنعوه نظيفا.

فالكرد ليسوا بحاجة إلى سردية مقدسة جديدة، بل إلى الحقيقة.

ليسوا بحاجة إلى دعاية جديدة، بل إلى الشفافية.

وهم ليسوا بحاجة إطلاقا إلى جثامين جديدة.

وهذا أضأل ما يحق لهذا الشعب أن يطالب به بعد كل هذا الثمن الذي دفعه:

سلام كريم ودائم، لا يُخفى فيه عنه شيء، ولا يُستغل فيه حتى موتاه لأغراض سياسية.

الآراء الواردة في هذا النص تخص كاتبها؛ وقد تتفق مع سياسة Rastinews التحريرية وقد لا تتفق. Rastinews منصة حرة منفتحة على الآراء المختلفة.

شارك

التعليقات

اكتب تعليقا

اقرأ أيضًا

    عادلة خانم: الحقيقة هي دَينكم للشعب الكردي — Rastinews