انتقل إلى المحتوى
الأجندة12 دقيقة قراءة

احتلال العالم الداخلي: التشريح النفسي للدكتاتورية

شارك
احتلال العالم الداخلي: التشريح النفسي للدكتاتورية

Rastinewsالأطفال، الأم، الهاتف، العالم الداخلي... شعرت بالملل. أنتقل إلى قناة أخرى. لأغضب قليلاً من الدكتاتور.

سمعتُ في أحد الأفلام عبارة: "أحضروا لي المظلوم". لا تعبّر هذه الجملة عن استدعاء الظالم للمظلوم فحسب، بل تكشف أيضاً بحث الإنسان عن هدف لغضبه. كثيرون منا يجدون راحتهم في اختيار مظلوم أو ضحية لأنفسهم، فيوجّهون إلى الأسفل غضباً كان ينبغي أن يتجه إلى الأعلى. فالغضب الذي يفترض أن يتوجه إلى القوة الحقيقية، إلى السلطة الفعلية، إلى آلية القمع ذاتها، يُحوَّل إلى الطرف الأضعف والأكثر عجزاً وسهولة في الوصول إليه. وهكذا يبقى الإنسان غاضباً، لكنه في الوقت نفسه يتجنب مواجهة العنوان الحقيقي لغضبه.

لهذا لا تتعلق مسألة القائد بالحاكم وحده، بل بغضب المحكومين وخوفهم وإحساسهم بالعدالة أيضاً. فحين لا يتجه الغضب في مجتمع ما إلى عنوانه الحقيقي، ترتاح السلطة، بينما يُفرغ الناس احتقانهم الداخلي في الاقتتال فيما بينهم. ويستخدم الدكتاتور غالباً هذه الآلية بعينها: يُخفي القمع القادم من الأعلى، ويُضخّم الصراع في الأسفل. وبينما يغضب الناس بعضهم من بعض، يُبرّئ النظام الذي أوصلهم إلى هذه الحال نفسَه.

القائد المثالي هو من يسعى إلى التمسك بمبادئه. وقد تضطره ضرورات السياسة العملية أحياناً إلى تقديم تنازلات، لكن هذه التنازلات تظل مبرَّرة بالمبادئ التي يدافع عنها. بعبارة أخرى، تتغير الوسائل بينما تبقى الغاية ثابتة. ومن هنا يوجد فرق نوعي بين القائد المثالي والقائد الذي يحوّل مبادئه إلى مجرد أداة للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها.

بالنسبة إلى القائد المثالي، يمثّل المبدأ معياراً يعلو على السلطة. أما عند الدكتاتور فالمبدأ أداة تُسخَّر لخدمة السلطة. القائد المثالي يشعر بأنه ملزم بمحاسبة أفعاله أمام القيم التي يدافع عنها، بينما يستخدم الدكتاتور تلك القيم لتبرير أفعاله. أحدهما يتصرف بولاء للمبدأ، والآخر بولاء للسلطة. ولهذا فإن الأيديولوجيا الحقيقية للدكتاتور غالباً ليست الفكرة التي يزعم الدفاع عنها، بل السلطة ذاتها.

الأيديولوجيا عند الدكتاتور وسيلة لا غاية. فهو يستخدم الدين والقومية وخطاب الثورة وخطاب الحرية كلما دعت الحاجة. ويمكنه أن يتبنى اليوم خطاباً ديمقراطياً، وغداً خطاباً قومياً، وبعد غد خطاباً محافظاً أو ثورياً. ذلك أن ولاءه ليس لفكرة بعينها، بل للسلطة وحدها، أي لنفسه ومصلحته. لهذا فإن ما يُعرّف الدكتاتور ليس أيديولوجيا محددة، بل جعل السلطة مطلقة.

حيث يسود القانون، يكون التشريع مبدأً أسمى يُلزم الحاكم نفسه. سيادة القانون تعني ألا أحد فوق القانون. أما في ظل الدكتاتورية، فيتوقف القانون عن كونه قيداً على الحاكم، ويتحول إلى أداة يستطيع تعديلها متى شاء. عندئذ يفقد القانون قابليته للتنبؤ، ويبدأ الناس بالعيش وفق إرادة القائد لا وفق نص القانون. وهنا تظهر السيطرة الحقيقية للدكتاتور: فهو ليس فوق القانون فحسب، بل حوّله إلى امتداد لإرادته، فصار القانون والتشريعات أداة للظلم.

يبدو هذا الوضع أشبه بالانعكاس السياسي لبنية الشخصية النرجسية. فبالنسبة إلى الذات النرجسية، لا يمثّل الواقع الخارجي مجالاً مستقلاً يحدّ من رغباتها، بل يُعاش العالم الخارجي كامتداد لذاتها المتضخمة. وكذلك يحوّل الدكتاتور الدولة إلى امتداد لذاته: يتماهى الوطن معه، والدولة بشخصه، والشعب بإرادته. وعبارة "الدولة أنا" ليست مجرد ادعاء سياسي، بل تعبير عن بنية نرجسية. فحين يتحدث عن الدولة والأمة والشعب، فإنه يعني نفسه في الحقيقة، ولا يحتمل وجود الآخر المستقل. لهذا فإن فقدان السلطة ليس مجرد هزيمة سياسية، بل انهيار للذات النرجسية نفسها.

لهذا يقدّم الدكتاتور كل ما يفعله على أنه ضرورة تاريخية لا خيار غيرها. وما يقوله اليوم صحيح لا لأنه صائب في ذاته، بل لأنه هو من قاله. وحين يقول عكسه تماماً غداً، يبقى الإطلاق نفسه قائماً. فالمعيار لم يعد الواقع، بل إرادة القائد. وهكذا يصبح القانون الأساسي للدكتاتورية، على نحو متناقض، هو غياب القانون؛ إذ لا يوجد نظام قانوني ثابت، بل إرادة واحدة قابلة للتغير في أي لحظة.

لا تُوحّد الدكتاتورية القانون فحسب، بل طريقة التفكير أيضاً. في حين أن الواقع بطبيعته متعدد الأسباب ومتعدد الطبقات، بل ومتناقض في أحيان كثيرة. وتُضطر السياسة الديمقراطية إلى قبول هذا التعدد، بينما تنظر الدكتاتورية إلى التعقيد باعتباره تهديداً. لذلك تختزل تعدد الأسباب في سبب واحد، وتعدد المعاني في معنى واحد. فسبب الأزمات الاقتصادية "قوى خارجية"، وسبب المعارضة الاجتماعية "خونة"، وسبب الانتقادات الدولية أن "الآخرين يحسدوننا". ويتحول العالم من واقع معقّد يستحق البحث إلى حكاية بسيطة تُفسَّر من مركز واحد.

لهذا فإن "حكم الرجل الواحد" لا يعني تركّز القوة السياسية في يد واحدة فحسب، بل تركّز الحقيقة نفسها فيها أيضاً. فللحقيقة مالك واحد، وللتاريخ تفسير واحد، وللأخلاق معيار واحد، وسلطة تحديد الصواب حكرٌ على القائد وحده. وهكذا تتحول السلطة السياسية إلى إطلاق أخلاقي.

نُسبت هذه الخصائص عبر التاريخ إلى السيادة الإلهية. ويقدّم الدكتاتور نفسه لا كفاعل سياسي عادي، بل كشخصية مختارة من التاريخ، متماهية مع مصير الأمة. وقد ادّعى كثير من الحكام في العصور القديمة أنهم يستمدون شرعيتهم من الآلهة، بل نُظر إلى بعضهم مباشرة كآلهة أو كممثلين للإله على الأرض. ويُعدّ فراعنة مصر القديمة من أبرز الأمثلة على ذلك؛ إذ لم يكن الفرعون مجرد ملك يحكم البلاد، بل كائناً مقدساً يحفظ النظام الكوني. وكانت طاعته واجباً دينياً لا سياسياً فحسب.

واللافت أن صورة الفرعون، رغم كونها اليوم رمزاً للقمع والاستبداد في الغالب، لا تثير لدى الناس الكراهية وحدها، بل قد تثير إعجاباً أيضاً تجاه مثل هذه الرموز المطلقة للقوة. ويستحضر هذا الأمر حنيناً طفولياً إلى صورة الوالد القوي القادر على كل شيء والخالي من القلق. فالسلطة المطلقة تولّد الخوف، لكنها في الوقت نفسه تَعِد بالأمان. ولهذا لا يكون الدكتاتور موضع خوف فقط، بل قد يتحول أيضاً إلى شخصية مثالية يُنظر إليها كمنقذ.

وعند هذه النقطة بالذات، لا تعود العقلية الشمولية مجرد نظام سياسي، بل تتحول إلى طريقة في إدراك العالم. فيحل المعنى الواحد محل المعاني المتعددة، وتحل الطاعة محل التفكير النقدي، وتحل الحقائق المطلقة محل الحوار. وفي النهاية لا تُلغي الدكتاتورية الحرية فحسب، بل تجعل الواقع نفسه أحادي الصوت واللون والمركز.

لم يعد الواقع أمراً يُكتشف، بل بات شيئاً يُعلنه القائد. لذلك فإن الدكتاتورية ليست هيمنة سياسية فحسب، بل إخضاع للحقيقة والفكر والنظام الرمزي كله لإرادة ذات واحدة. فالدكتاتور لا يريد إدارة الدولة فقط، بل يريد أيضاً تحديد كيف يفكر الناس، وبماذا يؤمنون، وكيف يدركون الحقيقة. وهنا يظهر البعد الأعمق والأخطر للشمولية.

أرجوكم أحبوا دكتاتوركم…

توجد هنا نقطة انكسار مهمة أخرى. فقد كان الدكتاتوريون الفاشيون في الماضي يسعون إلى إبادة أعدائهم، ولم يكن يشغلهم في الغالب ما يفكر فيه هؤلاء الأعداء عنهم، أو ما إذا كانوا يحبونهم أو يعجبون بهم. فبالنسبة إلى هتلر، لم يكن ما يشعر به اليهود أو الروما أو المثليون أو غيرهم من الجماعات التي أعلنها النظام أعداءً عاملاً حاسمًا. لم يكن المطلوب منهم حبًا، بل فناءً. لم يكن العدو شخصًا ينبغي إقناعه، بل كيانًا ينبغي القضاء عليه. أما في الدكتاتوريات المعاصرة، فيُضاف إلى هذا بُعد آخر. لم يعد الدكتاتور يريد الطاعة فحسب، بل يريد أن يُحَب أيضًا. بل إنه ينتظر نوعًا من القبول حتى من أولئك الذين أعلنهم أعداءً، وأقصاهم، وأهانهم، وتجاهل وجودهم. فهو لا يريد فرض سيطرته على الأجساد وحدها، بل على العقول والمشاعر أيضًا. ولا يكتفي بتحديد ما ينبغي أن يفعله الناس، بل يريد أن يحدد أيضًا ما ينبغي أن يشعروا به، ومن يحبون، ومن يُعجبون به، وبماذا يؤمنون.

لذلك لا يكفي الدكتاتور المعاصر أن يصمت المعارض؛ بل يُنتظر منه أن يُكِنّ إعجابًا خفيًا، أو أن يعترف على الأقل بعظمة الدكتاتور. ويهتم الدكتاتور بأن يحظى بإعجاب عدوه نفسه. ذلك أن السلطة النرجسية لا تكتفي بحب المؤيدين وحده؛ بل ينبغي كسر مقاومة الآخر أيضًا، والاستيلاء على موضع في عالمه الداخلي. وفي هذه النقطة تؤدي البيئة المحيطة بالدكتاتور وظيفة مهمة، إذ تُلبسه صورة "الخير" على الدوام. فتُصوَّر قسوته حزمًا، وفظاظته شجاعة، وخروجه على القانون ضرورة، وغطرسته قيادة، وعدوانيته قوة. وهكذا لا يقتصر الأمر على أن الدكتاتور يُمجّد نفسه، بل إن محيطه أيضًا يلمّع صورته باستمرار ويصقلها ويضفي عليها طابعًا مقدسًا. وكلما زاد طلاء الشر بالخير، بدا الاستبداد العاري وكأنه مهمة تاريخية أو قدر وطني أو تضحية لا مفر منها.

لذلك لا يقتصر الاحتلال على الاستيلاء على الفضاءات العامة والمؤسسات والصحافة أو القضاء فحسب؛ بل إن الأهم هو احتلال العالم الداخلي. فلا يُراد التحكم في ما سيقوله الناس فقط، بل في ما سيشعرون به أيضًا. ولا يكتفي الدكتاتور بضبط السلوك الخارجي للفرد؛ بل يريد أن يتسلل إلى ضميره، وقدرته على الإعجاب، وخوفه، وشعوره بالذنب، وإدراكه للواقع. فالآخر لا ينبغي أن يُهزم فحسب؛ بل يُجبَر على اعتبار هزيمته عادلة، وتفوّق الدكتاتور أمرًا طبيعيًا. لا يُنتظر منه أن يخضع فقط، بل أن يجد لخضوعه معنى. لا يُطلب منه أن يصمت فقط، بل أن يظن أن صمته فضيلة. لا يُطلب منه أن يخاف فقط، بل أن يسمّي خوفه احترامًا. وهنا بالضبط تتجاوز الدكتاتورية العنف الفج، لتتحول إلى تحكم نفسي أكثر خفاءً وعمقًا وقسوة. وهذا جزء مما يدور حول عثمان كافالا، وصلاح الدين ديميرتاش، وأكرم إمام أوغلو وغيرهم: "اعترفوا بي، وقولوا إنكم هُزمتم، وأظهروا انتصاري أمام الكاميرات". فالدكتاتور لا يريد فقط إسكات خصمه؛ بل يريد جعل هزيمته مرئية، وطبع انتصاره على جسده ووجهه وصوته وصمته. لا يكفي أن يكون المعارض في السجن، أو مُقصىً عن السياسة، أو مُسكتًا فحسب؛ بل يُراد تحويل وجوده نفسه إلى مشهد يُثبت عظمة السلطة. لذلك لا يتعلق الأمر بالعقاب وحده، بل برغبة في التشهير والإخضاع والكسر، وربما الاستحواذ على الخصم من الداخل إن أمكن. فأعظم انتصار بالنسبة إلى الدكتاتور ليس مجرد هزيمة عدوه، بل إجباره على الاعتراف بهزيمته. بل أكثر من ذلك: أن يرى العدو هزيمته عادلة، وانتصار الدكتاتور طبيعيًا وحتميًا ومستحقًا. وهنا تريد السلطة الاستيلاء ليس فقط على حياة الإنسان الخارجية، بل على محكمته الداخلية أيضًا. تريد إسكات الصوت الذي يقول "لقد ظُلمت"، واستبداله بصوت داخلي يقول "إذن فأنا أستحق ذلك". وهنا يبدأ أعمق أشكال الظلم: فالإنسان لا يُسحق من الخارج فقط، بل يُجبَر على أن يتحدث بلغة من يسحقه من داخله أيضًا. إنه إضفاء الشرعية على لغة الجاني...

لذلك لا تكتفي الدكتاتورية المعاصرة بإقصاء المعارض. بل تريد أن تقرأ الهزيمة على وجه المعارض، والإعجاب على وجه المؤيد، والرضا على وجه المجتمع. فالصورة الملتقطة أمام الكاميرات، والوقفة في قاعة المحكمة، والمشهد عند باب السجن، والحشد في الميدان، والتصفيق على شاشة التلفزيون؛ كل ذلك ليس مجرد أحداث سياسية، بل هو تمثيل نفسي للسلطة. وهذا ما يفسّر المعاني المتعددة لـ"خطاب الشرفة" الذي تحوّل إلى طقس بعد كل انتخابات.

لا يريد الدكتاتور أن يرى انتصاره في صناديق الاقتراع أو قاعات المحاكم أو الميادين فقط، بل في العالم الداخلي للناس أيضًا. فلا يكفيه أن يقول "أنتم تخافون مني"؛ بل يريد أن يجعلهم يقولون "نحن نحترمك". ولا يكفيه أن يقول "لقد أسكتّكم"؛ بل يريد أن يولّد لديهم شعورًا بأنهم "اعترفوا بأنه على حق". لذلك فإن رغبته الحقيقية ليست في الاستحواذ على السلطة وحدها، بل في السيطرة على إحساس الناس بالواقع أيضًا. وهنا لا تعود الكذبة مجرد أداة لإخفاء الحقيقة، بل تُقيم نظامًا جديدًا يحل محل الواقع نفسه. فتقديم الأكاذيب المتكررة على أنها حقائق يُضبّب الحقيقة أولًا، فيصبح الناس عاجزين عن التمييز بين الصواب والخطأ. ثم تتآكل الحدود بين الكذب والحقيقة. وبعد فترة لا يعود السؤال "هل هذا صحيح؟"، بل يتحول إلى "هل قال الزعيم ذلك؟". ففي الدكتاتورية لا تُحدَّد الحقيقة بالأحداث نفسها، بل بالطريقة التي يسمّيها بها الزعيم. فيمكن اليوم تقديم الهزيمة على أنها انتصار، والأزمة على أنها نجاح، والفقر على أنه تضحية، والقمع على أنه أمن، والخروج على القانون على أنه عدالة. لا تُستخدم الكلمات لشرح الواقع، بل للاستيلاء عليه. وتتوقف اللغة عن أن تكون أداة للحقيقة، لتصبح طلاءً للسلطة. لذلك لا تُشوَّه الحقائق وحدها في الدكتاتورية، بل تُدمَّر أيضًا القدرة على الوصول إلى الحقيقة. وبعد فترة لا يفقد الإنسان فقط ما يؤمن به، بل يفقد أيضًا معنى الإيمان نفسه. وحتى حين يُعرف أن الكذبة كذبة، يصبح من المستحيل مواجهتها بحقيقة، لأن الحقيقة لم تعد أرضية مشتركة. من هذه اللحظة فصاعدًا، يحل ما يقوله الدكتاتور محل الواقع. وتتوقف الحقيقة عن أن تكون شيئًا يُبحث فيه ويُناقش ويُختبر، لتتحول إلى شيء يُعلَن. وفي اللحظة التي يقول فيها الدكتاتور "هذه هي الحقيقة"، يُنتظر من الجميع أن يتصرفوا وكأنه لا وجود لحقيقة أخرى غيرها. وهكذا لا يختفي الفرق بين الكذب والحقيقة فقط، بل تختفي الحقيقة نفسها.

وهنا يظهر أحلك جوانب الدكتاتورية: فالناس لا يُجبَرون فقط على تصديق الأكاذيب، بل يُعتادون على فقدان الواقع نفسه. فلم تعد الحقيقة هي ما يواجه الكذبة، بل كذبة أخرى. ويتوقف العالم عن أن يكون مكانًا يتصارع فيه الصواب والخطأ، ليتحول إلى مسرح يُعتبر فيه ما يقوله الأقوى حقيقة. لذلك فإن زوال الحد الفاصل بين الحقيقة والكذب في الدكتاتورية ليس مجرد مشكلة عادية، بل انهيار نفسي وسياسي.

احتلال العالم الداخلي...

احتلال العالم الداخلي هو شكل من أشكال السلطة يمسّ أكثر أماكن الإنسان حميمية. فالدكتاتور لا يلامس الجسد فقط، بل الصوت الداخلي أيضًا. ولا يريد الاستيلاء على الميادين وحدها، بل على المحكمة الداخلية للإنسان أيضًا. لأنه حين تصمت هذه المحكمة الداخلية، يصبح الإنسان مهزومًا لا في الخارج فقط، بل في داخله أيضًا. وهذا ما يخرج الدكتاتورية من كونها مجرد نظام قمع سياسي، ليحوّلها إلى احتلال للعالم الداخلي. فالعلاقة بين الدكتاتور والفرد لم تعد علاقة حاكم بمحكوم فحسب، بل هي أيضًا علاقة استغلال نفسي. فالدكتاتور لا يطلب من الناس سلوكهم فقط، بل مشاعرهم أيضًا. ويريد أن يقرر بنفسه على من يحزنون، وبأي شيء يفرحون، ومم يغضبون، ولماذا وممن يخافون. ولا يريد أصواتهم فقط، بل إعجابهم أيضًا. ولا يطلب صمتهم فقط، بل رضاهم الداخلي أيضًا.

وحين يُطلب التصويت بعبارة "ثقوا بأخيكم هذا"، فإن المطلوب ليس الصوت الانتخابي وحده. فما يُنتظر من الناخب هنا ليس مجرد اختيار سياسي، بل تسليم نفسه عاطفيًا أيضًا. وتتوقف الثقة هنا عن أن تكون جزءًا من عقد ديمقراطي، لتتحول إلى نداء يطلب الطاعة والولاء والقبول من دون تساؤل. فلا يُنتظر من الناخب أن يذهب إلى صندوق الاقتراع فحسب، بل أن يعلّق شكوكه، ويتخلى عن حكمه الخاص، ويضع إرادة الزعيم مكان إرادته. فالدكتاتور يُلغي قناعة الناس ويضع مكانها توقعاته هو. وهكذا يُصادَق على الاحتلال والطاعة والخضوع عبر الرضا نفسه. فالإنسان لا يُحكَم فقط، بل يُدعى إلى إظهار أنه يقبل أن يُحكَم، بل يرغب في ذلك. وهنا تكمن القوة النفسية للدكتاتورية: فهي تقدّم الإكراه كأنه حب، والخوف كأنه ثقة، والخضوع كأنه ولاء. ولا تطلب من الناس أن يقولوا "نعم" فحسب، بل أن يعيشوا هذا "النعم" وكأنه نابع من الداخل.

لذلك لا تعمل الدعاية في الديكتاتوريات المعاصرة على تشويه الحقيقة فحسب؛ بل تعمل أيضًا على إنتاج الحب، وتنظيم الإعجاب، وخلق الارتباط العاطفي. تُعاد صياغة صورة الزعيم وصوته وقصته ومظلوميته وبطولته وتضحياته باستمرار. وبذلك لا تُحكم الجماهير فحسب، بل ترتبط عاطفيًا أيضًا. لا يُقدّم الديكتاتور نفسه بوصفه رأس الدولة فقط، بل بوصفه شخصية تحتل مكانًا في العالم الداخلي للشعب. وبهذا المعنى، تتجاوز الديكتاتورية كونها استبدادًا قادمًا من الخارج؛ إذ تسعى إلى إقامة مستعمرة في العالم الداخلي للإنسان. تُحتلّ الأفكار والمشاعر والمخاوف ومشاعر الإعجاب والولاءات. يشعر الإنسان بأنه مراقَب لا في الفضاء العام فحسب، بل داخل عقله أيضًا. ويجد نفسه مضطرًا لمراقبة ما يفكر فيه وما يشعر به بل حتى من يحب ومن لا يحب. وهكذا لا تستعمر الديكتاتورية حرية الفرد فحسب، بل تستعمر عالمه الداخلي أيضًا.

والأكثر إثارة للقلق هو هذا: لا يريد الديكتاتور من الإنسان أن يطيع فحسب، بل أن يحبه أيضًا وهو يطيع. ولا يكتفي بفرض قبول ظلمه، بل يريد أن يُعجَب بهذا الظلم. ولا ينتظر من الناس أن يصمتوا خوفًا فقط، بل أن يخضعوا حبًا. لذلك لا تُعدّ الديكتاتورية المعاصرة هيمنة جسدية وسياسية فحسب، بل هي أيضًا شكل من أشكال الاحتلال الروحي.

النرجسية مجددًا؟

من أبرز سمات النرجسية العجز عن التقدير. فالنرجسي لا يستطيع أن يعترف بقيمة الآخر بصدق؛ لأنه يعيش داخل اقتصاد نفسي ينتظر باستمرار التقدير ويتوسل الاستحسان. ويشعر بأن تقدير الآخر ينتقص من نصيبه هو. وكأن القيمة مورد محدود، وكل مديح يُمنح لشخص آخر يُعد سرقة من رصيده. كما يرتبط بالنرجسية أيضًا فقر التقدير وشح الاستحسان داخل المجتمع. فكلما ازدادت صعوبة اعتراف الناس بجهد بعضهم بعضًا وجمالهم ونجاحهم ولطفهم، ازدادت العلاقات الاجتماعية تأسسًا على الغيرة والتنافس والتقليل من قيمة الآخرين.

فبدلًا من أن يُقدّر النرجسي الآخر، فإنه يقلّل من قيمته. لكن المسألة هنا ليست أن الآخر عديم القيمة فعلًا. بل على العكس، قيمة الآخر تشكّل تهديدًا للنرجسي. والسبب في سعيه إلى تصغير الآخر هو محاولته تأمين تفوقه الخاص. فهو يعتقد أنه كلما صغُر الآخر، بدا هو أكبر وأكثر قيمة. لذلك لا يمثل التقدير بالنسبة إلى النرجسي شعورًا يمكن تقاسمه، بل رأس مال يُتنافس عليه. ونجاح الآخر ليس أمرًا يُفرح به، بل جرح يذكّره بنقصه الخاص. وبذلك يخرج المديح والإعجاب والتقدير من كونها إيماءات إنسانية متبادلة، ويُعاش كل ذلك وكأنه حق يجب أن يتجه إليه هو وحده.

أما النفسية السليمة فتعمل على العكس من ذلك تمامًا. فالإنسان الواثق من نفسه حقًا لا يخشى تقدير نجاح الآخرين. لأنه يعلم أن نور الآخر لا يطفئ نوره، بل يزيده سطوعًا. أما بالنسبة إلى النرجسي، فإن التقدير يُعاش وكأنه تهديد لقيمة ذاته الهشة.

الآراء الواردة في هذا النص تخص كاتبها؛ وقد تتفق مع سياسة Rastinews التحريرية وقد لا تتفق. Rastinews منصة حرة منفتحة على الآراء المختلفة.

شارك

التعليقات

اكتب تعليقا

اقرأ أيضًا

    احتلال العالم الداخلي: التشريح النفسي للدكتاتورية — Rastinews