انتقل إلى المحتوى
الأجندة3 دقيقة قراءة

بعد سيبان

شارك
بعد سيبان

Rastinewsقُتل سامي شيخموس حسو (26 عاماً)، الذي كان يخدم في لواء الحسكة التابع للجيش السوري، بعد أن اختُطف وقُطع رأسه، وأُطلقت النار على جثته. ولم يترك رحيله خلفه أسرة تنعاه فحسب، بل شعباً بأكمله يواجه من جديد رعب الماضي.

وقصة سامي مؤثرة إلى حد يفوق ما تحتمله القلوب، وتصفعنا كصفعة توقظ الذاكرة. فقد قضى شقيقاه حسين وسيبان في الحرب ضد تنظيم داعش، واختار سامي اسم شقيقه سيبان اسماً حركياً له. ووجد إخوته، الذين رحل والداهم من قبل، أنفسهم وجهاً لوجه مع الفقد للمرة الثالثة في البيت نفسه.

وقالت شقيقته، وهي تنهمر بالدموع: «أخذوه وقتلوه، ولن يعود مهما فعلنا»، في كلمات لا تعبّر عن صرخة أخت واحدة فقط، بل عن نحيب جماعي لشعب فقد أبناءه منذ سنوات في عمليات الخطف والإعدامات والمقابر الجماعية وساحات الحرب.

وأعادت هذه الجريمة فتح جرح لم يلتئم بعد في ذاكرة الكرد. فاستُحضرت من جديد مشاهد وحشية داعش في كوباني وشنكال (سنجار) والحسكة. وتبيّن مرة أخرى أن العقلية التي تخطف الناس بسبب هويتهم وتقطع رؤوسهم وتستعبد النساء وتحوّل المدن إلى ساحات موت، لم تختف بالكامل.

وداعش ليس مجرد اسم تنظيم، بل هو أكثر الأشكال وحشية لعقلية تعتبر المختلف عدواً. وتظهر هذه العقلية أحياناً تحت راية تنظيم، وأحياناً خلف بزة عسكرية، وأحياناً أخرى بين سطور مسودة تُوقَّع في مقر حكومي. فحين ظهرت كميليشيا مسلحة كان اسمها داعش، واليوم يمكن أن يتخفى نفس الانعكاس الاستبعادي القائم على الهوية الواحدة خلف مرسوم بعنوان «الدمج»، أو استسلام يُفرض باسم «الاستقرار»، أو فقدان مكانة يُغلَّف بخطاب «السلام». فتغيّر الاسم والمظهر لا يغيّر جوهر الممارسة: نفس المنطق الذي يعتبر المختلف تهديداً، ويجعل الحقوق موضوع تفاوض، ويترك الأمن رهناً لرحمة مركز واحد.

ولذلك فإن قاتل سامي ليس شخصاً واحداً أو تنظيماً واحداً؛ فكل جهة - سواء كانت داعش أو ميليشيا أو سلطة رسمية - لا تعترف بالكرد واليزيديين والعلويين والدروز كأطراف فاعلة في تقرير مستقبلهم، هي حاملة لهذه العقلية بغض النظر عن اسمها. وقد تتغير الأسماء والتوازنات، لكن الخطر يبقى قائماً ما دام الجناة يحظون بالحماية، والجرائم لا تُكشف، وأمن الشعوب يُترك عرضة للتفاوض.

الأمن لا يُترك لتعهدات دمشق

وتُظهر جريمة قتل سامي من جديد للكرد والعلويين والدروز واليزيديين والسريان والأرمن في المنطقة حقيقة واحدة: لا يمكن لأي شعب أن يترك أمنه لوعود دمشق أو لحسابات القوى الإقليمية والدولية المتغيرة.

فقد تغيّرت التحالفات في هذه الأرض مراراً، ونُسيت الوعود، وسقطت تعهدات الحماية ضحية للمفاوضات السياسية. ودفع الثمن في الغالب الشعوب التي تُركت بلا حماية.

والدفاع عن النفس المقصود هنا لا يعني تسليح الشعوب بعضها ضد بعض، بل يعني تصوراً أمنياً ديمقراطياً وخاضعاً للقانون ولرقابة المجتمع: إرادة جماعية تحمي الحياة، من شبكات الإنذار المبكر في الأحياء إلى الهياكل الأمنية المحلية، ومن توثيق الجرائم إلى تنظيم النساء، ومن التضامن بين المجتمعات إلى آليات التحقيق المستقلة. ويجب بناء نظام لا تتفوق فيه جماعة على أخرى، ولا يُترك فيه الأمن حكراً على مركز واحد.

إرادة مشتركة في مواجهة تهديد مشترك

ولا يمكن الفصل بين أمن الكرد وأمن العلويين والدروز واليزيديين. فترك شعب وحيداً ييسّر وصول الدور إلى شعب آخر. وقد أثبت التاريخ خطأ من صمتوا حين استُهدف اليزيديون في شنكال، ومن ظنّوا أن حصار كوباني كان شأناً كردياً خاصاً. والمطلوب اليوم ليس تحالفاً قائماً على الخوف، بل تضامناً ديمقراطياً يقوم على المواطنة المتساوية والثقة المتبادلة والعيش المشترك.

ويجب كشف ملابسات مقتل سامي شيخموس حسو من جميع جوانبها، وتقديم الجناة ومن ساعدهم إلى قضاء مستقل. ولا ينبغي أن يبقى التحقيق رهينة التوازنات السياسية، فكل جريمة تبقى دون عقاب هي تشجيع لهجوم قادم.

لن يعود سامي، ولن يعود شقيقاه حسين وسيبان. لكن البكاء عليهم لا يكفي. فالتذكر يعني المطالبة بالعدالة، وتوسيع دائرة التضامن، وبناء نظام أمني ديمقراطي يحول دون تكرار المجازر.

وتنعى روج آفا اليوم سيبان. ويجب أن يتحول هذا الحزن إلى إرادة تجمع الشعوب أمام تهديد مشترك، لا أن تفرّق بينها. فالطريق إلى حماية الحياة في هذه الجغرافيا لا يمر عبر انتظار رحمة قوى أخرى، بل عبر ثقة الشعوب ببعضها وتنظيمها وامتلاكها القرار في مستقبلها.

الآراء الواردة في هذا النص تخص كاتبها؛ وقد تتفق مع سياسة Rastinews التحريرية وقد لا تتفق. Rastinews منصة حرة منفتحة على الآراء المختلفة.

شارك

التعليقات

اكتب تعليقا

اقرأ أيضًا

    بعد سيبان — Rastinews