مقامرة أنقرة الكردية: من طاولة أوجلان إلى البرلمان
الكاتبة في 'المونيتور' أمبرين زمان تتناول تحوّل أنقرة الحاد عن سياساتها الأمنية طويلة الأمد، بعد أن أحالت مشروع قانون إطاري تبلور عبر مفاوضات مباشرة مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان إلى لجنة العدل في البرلمان التركي.

Rastinewsتتناول الكاتبة في 'المونيتور' أمبرين زمان الخطوة التي أقدمت عليها أنقرة بإحالة مشروع القانون الإطاري، الذي تبلور عبر مفاوضات مباشرة مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، إلى لجنة العدل في البرلمان التركي، في تحول حاد عن عقود من السياسات الأمنية. وترى زمان أن هذه الخطوة توصف من جهة بأنها "منعطف تاريخي"، ومن جهة أخرى بأنها "تنازل" من جانب الحركة السياسية الكردية، فيما ترتبط في الوقت ذاته ارتباطاً مباشراً باستراتيجية الرئيس رجب طيب أردوغان لتأمين الحيز السياسي والأصوات اللازمة للبقاء في السلطة لولاية ثالثة.
Rastî -في منعطف نادر الشبيه بالنسبة لقضية طالما أدارتها الدولة التركية بالعمليات العسكرية والنزعة الأمنية، بدأت تُتخذ خطوات رسمية غير مسبوقة. وكتبت الكاتبة البارزة في 'المونيتور' أمبرين زمان أن المفاوضات السرية والمباشرة الجارية منذ أكثر من عامين بين أنقرة وجزيرة إيمرالي انتقلت إلى بعد جديد مع مشروع القانون المعروض على البرلمان.
وأُحيل مشروع القانون، المعنون "تعزيز التضامن الوطني والاندماج المجتمعي"، إلى لجنة العدل في البرلمان، في خطوة تعني للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية إرساء أساس قانوني للاتصالات المباشرة التي تجريها الدولة مع أوجلان.
ويهدف هذا الإطار القانوني إلى إنهاء نزاع مسلح كلّف عشرات الآلاف من الأرواح على مدى أكثر من أربعين عاماً، وهو ما يزعزع موازين الميدان بقدر ما يعيد رسم حسابات السياسة الداخلية في أنقرة. وبحسب تحليل أمبرين زمان، تقف في كفة الميزان الصدمة السياسية والمجتمعية الناجمة عن التفاوض عبر البرلمان مع طرف ظل لعقود يوصف بـ"الإرهابي" أو "قاتل الأطفال"، بينما تقف في الكفة الأخرى حقيقة أن هذه الخطوة صُممت كرافعة حاسمة لإطالة أمد حكم أردوغان.
وفي وقت يدور فيه الجدل داخل قاعدة الحركة السياسية الكردية ومعسكر المعارضة حول حدود مشروع القانون، يبدو الحساب في أنقرة واضحاً: تصفير كلفة السياسات الأمنية، وتعزيز الدعم الجماهيري اللازم لأي استحقاقات دستورية أو سياسية محتملة عبر هذا الاندماج القانوني.
وفيما يلي الترجمة الكاملة للمقال:
أُحيل مشروع القانون الإطاري الذي أعدّته الدولة التركية بعد أكثر من عامين من المفاوضات مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان إلى لجنة العدل في البرلمان التركي (TBMM) يوم الأربعاء. ويرى البعض في الخطوة منعطفاً تاريخياً، بينما يعتبرها آخرون استسلاماً مهيناً من منظور الحركة الكردية.
وعلى أي حال، يمثل هذا التطور المرة الأولى التي تتقدم فيها الدولة التركية بمشروع قانون إلى البرلمان عقب محادثات مباشرة مع أوجلان، الذي وصفته لعقود طويلة بـ"قاتل الأطفال" و"الإرهابي". واعتُقل أوجلان في نيروبي عام 1999 على يد قوات خاصة تركية، ثم حوكم في تركيا وحُكم عليه بالإعدام. كما يُنظر إلى الخطوة باعتبارها المرة الأولى التي تلجأ فيها أي حكومة تركية إلى البحث عن حل سياسي بدلاً من الأسلوب العسكري لإنهاء النزاع بين القوات المسلحة التركية وحزب العمال الكردستاني، الذي أودى بحياة أكثر من 40 ألف شخص غالبيتهم من الكرد.
ويحمل مشروع القانون اسم "مقترح قانون بشأن تعزيز التضامن الوطني والاندماج المجتمعي"، ومن المتوقع أن يُطرح للتصويت في الجلسة العامة للبرلمان في أقرب وقت يوم الجمعة.
ويتضمن المقترح، المؤلف من 12 مادة، آلية قانونية تدريجية تشمل عفواً كاملاً أو جزئياً عن أفراد حزب العمال الكردستاني وبعض المرتبطين بالتنظيم. وتشمل الجرائم التي يغطيها المقترح العضوية في التنظيم وقيادته والدعاية له وجمع الأموال باسمه.
وستتولى هيئة تعمل تحت إشراف الرئاسة، وتضم ممثلين عن وزارة الخارجية والأجهزة الأمنية والاستخبارات ووزارتي الداخلية والعدل، تنسيق ومراقبة عملية نزع سلاح حزب العمال الكردستاني وحلّه. كما ستتابع لجنة رقابة مؤلفة من 17 عضواً مسار العملية وتحيل إلى البرلمان أي تعديلات تشريعية جديدة تقتضيها الحاجة.
وحتى وقت نشر هذا التقرير، كان 360 نائباً على الأقل من أصل 600 مقعد في البرلمان التركي قد وقّعوا على مشروع القانون.
ولا يقتصر أثر هذا القانون على مسار نضال الكرد السياسي الممتد لعقود من أجل المساواة، بل يمتد أيضاً إلى مستقبل الرئيس رجب طيب أردوغان السياسي.
فبموجب الدستور الحالي، لا يمكن لأردوغان الترشح مجدداً بعد انتهاء ولايته في مايو/أيار 2028. غير أن إجراء استفتاء لتعديل الدستور يتطلب دعم 360 نائباً على الأقل. ويشير الدعم الذي تحقق يوم الأربعاء إلى أن أردوغان قد يتمكن من تأمين الأغلبية اللازمة لهذا الاستفتاء. أما التصويت المرتقب يوم الجمعة، فقد يظهر أن حصول المقترح على 400 صوت قد يجعل الاستفتاء نفسه غير ضروري.
وفي هذا الإطار، سيكون موقف أوجلان وحزب الشعوب للمساواة والديمقراطية (DEM)، الذي يملك 56 مقعداً في البرلمان، عاملاً حاسماً. ويبلغ مجموع مقاعد حزب العدالة والتنمية (AKP) وحزب الحركة القومية (MHP) 323 مقعداً، أي أقل بـ37 صوتاً من عتبة الـ360 صوتاً المطلوبة سواء لإجراء استفتاء دستوري أو لاتخاذ قرار بإجراء انتخابات مبكرة قد تتيح لأردوغان الترشح مجدداً.
وفي بيان نشره حزب الشعوب للمساواة والديمقراطية يوم الاثنين، وجّه أوجلان رسالة دعم للحكومة. ورغم إشارته إلى أن التشريع يعتريه عدد من أوجه القصور، رأى الزعيم الكردي البالغ من العمر 78 عاماً أن القانون يمثل "مفتاح الباب" أمام إصلاحات جديدة من بينها حقوق لغوية يكفلها الدستور.
وقالت النائبة عن ديار بكر (آمد) جيلان أقتشا كوبولو لموقع 'المونيتور' إن "هذا القانون وحده لن يحل القضية الكردية، لكنه بداية".
وأضافت كوبولو أن القانون "بداية جيدة ترسي الأساس للحوار والتغييرات القانونية اللازمة لحل قضية كردية عمرها قرن من الزمن".
ومن الفاعلين البارزين الآخرين في هذا المسار أوزغور أوزيل، الذي انشق عن حزب الشعب الجمهوري (CHP) وأسّس حزباً جديداً. ومن المتوقع أن يتوسع حزب أوزيل الجديد، الذي يملك حالياً 91 مقعداً، مع مرور الوقت. ويُتوقع أن يدعم أوزيل مشروع القانون سعياً لكسب أصوات الناخبين الكرد والحفاظ على العلاقة التي بناها مع حزب الشعوب للمساواة والديمقراطية.
في المقابل، لا يشمل القانون أوجلان نفسه ولا كبار قادة حزب العمال الكردستاني المتمركزين في جبال قنديل والمناطق المحيطة بها على الحدود العراقية التركية. كما لا يزال مصير النائب السابق المشارك في رئاسة حزب الشعوب الديمقراطي (سلف حزب DEM) صلاح الدين دميرتاش، المعتقل منذ 2016 بتهم إرهاب مثيرة للجدل، غامضاً فيما يتعلق باستفادته من هذا التشريع بموجب أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
وبحسب معلومات كشفتها 'المونيتور' أولاً، بدأت المحادثات السرية بين أوجلان والحكومة التركية في أبريل/نيسان 2024، وكانت تستهدف غايتين رئيسيتين: الأولى دفع أوجلان إلى استخدام نفوذه لإنهاء الكفاح المسلح واندماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مع إدارة دمشق، والثانية حصول حزب الشعوب للمساواة والديمقراطية على دعم خطط أردوغان لاستمرار حكمه.
وخرجت هذه المحادثات إلى العلن في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، حين دعا رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي أوجلان إلى مخاطبة البرلمان التركي ودعوة حزب العمال الكردستاني إلى إلقاء السلاح، مشيراً إلى إمكانية استفادته من عفو محتمل.
وفي فبراير/شباط 2025، وجّه أوجلان من سجن إيمرالي دعوة إلى حزب العمال الكردستاني لإلقاء السلاح، ودعا الكرد إلى "الاندماج" مع الدولة التركية.
وفي 12 مايو/أيار 2025، أعلن حزب العمال الكردستاني، استجابة لدعوة أوجلان، إنهاء كفاحه المسلح في تركيا وحلّ التنظيم.
وفي 11 يوليو/تموز 2025، نظّمت مجموعة من عناصر حزب العمال الكردستاني في منطقة جبلية تخضع لسيطرة الاتحاد الوطني الكردستاني قرب مدينة السليمانية في إقليم كردستان العراق مراسم رمزية لحرق السلاح.
ومن المتوقع، عقب إقرار القانون، أن يعود بعض أفراد هذه المجموعة إلى تركيا برفقة سياسيين كرد في المنفى وآخرين مرتبطين بحزب العمال الكردستاني. وبحسب مصادر في الحزب تحدثت إلى 'المونيتور'، فإن كيفية تعامل الحكومة مع مجموعة العائدين الأولى ستكون أحد أهم اختبارات جدية أنقرة، وستحدد مسار العملية مستقبلاً.
وقال أحد المصادر: "أوجلان ما زال يناضل من أجل حقوق متساوية للكرد ضمن تركيا ديمقراطية، ولا يمكن فهم اندماجه مع الدولة إلا على هذا الأساس".
بينما ترى مصادر أخرى أن الأمر أقرب إلى مقامرة سياسية كبرى، وأن مصير العملية برمّتها يرتهن إلى حد بعيد بموقف أردوغان.
وكانت محاولات سابقة لحل القضية خاضها حزب العدالة والتنمية مع حزب العمال الكردستاني في عامي 2008 و2012 قد باءت بالفشل بسبب انعدام الثقة المتبادل، ما أدى إلى تجدد الاشتباكات بوتيرة أشد.
وفي عام 2014، أدى التحالف الذي أقامه البنتاغون مع الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني لمحاربة تنظيم داعش، والذي انضم إليه لاحقاً مقاتلون عرب، إلى تعميق مخاوف أنقرة من وجود مخطط غربي لإقامة دولة كردية مستقلة.
غير أن التحول الجيوسياسي الكبير الذي شهدته منطقة الشرق الأوسط عقب هجوم حماس على إسرائيل عام 2023 عجّل بعودة تركيا إلى التواصل مع حزب العمال الكردستاني، في وقت كانت أنقرة تعتقد أنها حققت تفوقاً عسكرياً ميدانياً بفضل تطور قدراتها في الطائرات المسيّرة المسلحة والاستطلاعية.
بدأت تركيا تبدو أكثر ثقة بشأن التوصل إلى اتفاق مع حزب العمال الكردستاني تُحدَّد بموجبه شروطها إلى حد كبير، وذلك مع انسحاب إيران بشكل كبير من سوريا، ووصول أحمد الشرع إلى السلطة في دمشق، ودعم الولايات المتحدة له.
لكن قد تُخلّ توترات جديدة محتملة مع إيران بحسابات تركيا. ويُعتقد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتخذ قرار عدم دعم المعارضة الكردية الإيرانية المسلحة بناءً على طلب من أردوغان. غير أنه لا يُستبعد أن يعدل ترامب، المعروف بمواقفه التي يصعب التنبؤ بها، عن هذا القرار.
في المقابل، يرى حزب الحياة الحرة الكردستاني (بجاك)، الذراع الإيرانية لحزب العمال الكردستاني، أن دعوة عبد الله أوجلان إلى نزع السلاح وحل الحزب لا تشمله.
